محمد حسين علي الصغير

91

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

بوقت واحد ، فالاستخدام الديني متمثل بالتعلق بنتائج هذا التشبيه فيما يؤثره في النفس الإنسانية رغبة أو رهبة رغبة في الوعد الحسن ، والثواب الجزيل ، والجزاء الذي لا حدود لإفاضاته ، ورهبة من المصير المرعب ، والعذاب المستمر ، والهوان المتراكم ، والاستخدام الفني وهو يضفي ذلك المناخ الديني يجيء زيادة في الإيضاح ، وعمدة في التصوير ، حتى يعود المتخيل محققا والمستبعد قريبا ، والخفي واضحا ، وذلك بإضفاء الصفات المتعددة على الشيء الواحد بغية التطلع إلى مجموعة جديدة من الهيئات المركبة المتداخلة التي امتزجت وكأنها صورة واحدة وهي عدة صور . لقد أوضح عبد القاهر ( ت : 471 ه ) هذا الملحظ الدقيق بقوله : وربما انتزع ( يعني وجه الشبه ) من عدة أمور يجمع بعضها إلى بعض ثم يستخرج من مجموعها الشبه ، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الأفراد ، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما ، ومثال ذلك قوله عزّ وجلّ : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً . . . ( 5 ) « 1 » . الشبه منتزع من أحوال الحمار ، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ، ومستودع ثمر العقول ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها ، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء ، ولا من الدلالة عليه بسبيل ، فليس له مما يحمل حظ سوى أنه يثقل عليه ، ويكد جنبيه ، فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة ، ونتيجة لأشياء ألفت ، وقرن بعضها إلى بعض . بيان ذلك : أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل ، وأن يكون ذلك المحمول شيا مخصوصا وهو الأسفار التي فيها أمارات تدل على العلوم ، وأن يثلث ذلك بحمل الحمار ما فيها حتى يحصل الشبه المقصود . ثم إنه لا يحصل من كل واحد من هذه الأمور على

--> ( 1 ) الجمعة : 5 .