محمد حسين علي الصغير
92
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
الانفراد . ولا يتصور أن يقال أنه تشبيه بعد تشبيه من غير أن يقف الأول على الثاني ، ويدخل الثاني في الأول ، لأن الشبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من الحمار ، ثم لا يتعلق - أيضا - بحمل الحمار حتى يكون المحمول الأسفار ، ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره . . . والنتيجة المطلوبة وهي الذم بالشقاء في شيء يتعلق به غرض جليل وفائدة شريفة مع حرمان ذلك الغرض وعدم الوصول إلى تلك الفائدة ، واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سببا إلى نيل شيء من تلك المنافع والنعم « 1 » . ويستدرج عبد القاهر في بيانه الاستدلالي على انتزاع وجه الشبه من أمور متعددة ، حتى يرى أن التشبيه المشتمل على عناصر الشبه من متعدد في الجمل والتركيب أولى بأن يسمى تمثيلا لأنه يحصل به ما لا يحصل إلا بجمل متعددة ، يظهر وجه الشبه بمجموعها إذا ضم بعضها إلى بعض ، لهذا احتيج إلى كثرة التعدد في الجمل لا سيما إذا كان التشبيه عقليا ، ويوضح هذه الفكرة بقوله : « حتى أن التشبيه كلما أوغل في كونه عقليا محضا كانت الحاجة إلى الجمل أكثر ، ألا ترى إلى نحو قوله عزّ وجلّ : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ « 2 » . كيف كثرت الجمل فيه حتى أنك ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصلت ، وهي وإن كان قد دخل بعضها في بعض حتى كأنها جملة واحدة ثم إن الشبه منتزع من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض ، وإفراد شطر من شطر ، حتى أنك لو حذفت منها جملة واحدة من أي موضع كان أخل ذلك بالمغزى من التشبيه » « 3 » .
--> ( 1 ) الجرجاني ، أسرار البلاغة : 90 - 91 . ( 2 ) يونس : 24 . ( 3 ) الجرجاني ، أسرار البلاغة : 96 - 97 .