محمد حسين علي الصغير
84
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
إن التطلع الواعي لتشبيه هذه الآية يعني اضطراب النفس حول هذا المصير المؤلم لهذا الجزء الشفاف من البدن وهو القلب ، وليس المراد هو هذا العضو الصنوبري بمركباته العضوية ، وإنما المراد هو هذا العضو بما ضم بين جانبيه من مخايل الرحمة والرقة والهدى والإيمان ، وما يستلزم ذلك من الهداية والرشاد والاطمئنان ، وبهذا التشبيه تحقق نفي هذه المستلزمات جميعا عن القلب ، فعاد حجارة لا تضر ولا تنفع ، صماء لا تستهدي ولا تستثير . ب - وحينما يريد القرآن الكريم التزهيد في الحياة الدنيا ، فإنّه يسلك عدة سبل لذلك ، ولكنه حينما يعتمد التشبيه الفني صورة حية لذلك ، فإنه يعمد إلى هبات الطبيعة ، ومقومات الحياة ، فيصورها بما يبلغ به المراد ، فتجده من خلال ذلك ينظر إلى الماء بوصفه عنصرا أساسيا في حياة الإنسان ، فهو يدور معه حيث دار ، ويتعلق به أنى وجد ، فارتباطه به ارتباطا أساسيا في حياة الإنسان ، فهو يدور معه حيث دار ، ولكنه مع ذلك ينتفع به انتفاعا محدودا قدر الحاجة ، وما زاد على ذلك فهو سارب في سبيله ، لا دوام له ولا بقاء ، فعمد إلى تشبيه الحياة الدنيا به من خلال هذا الملحظ الدقيق في محاولة تفرض التأثير على النفس ، وتوجه الانتباه المتزايد ، فقال تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) « 1 » . لهذا يرى الأستاذ محمد المبارك بمثل هذه الطريقة القرآنية نوعين من المعرفة : فكرية وفنية « فهي من الوجهة الفكرية : نوع من القياس والحكم بالنظائر والأشباه ، ومن الوجهة الفنية نوع من التشبيه الموسع على صور جذابة » « 2 » . ج - وحينما يرصد القرآن الكريم البيئة المختلفة لطبقة من الناس همها علفها ، وشغلها تقممها ، لا تفكير لها إلا في الملذات ، ولا أمر عندها إلا
--> ( 1 ) الكهف : 45 . ( 2 ) محمد المبارك ، دراسة أدبية لنصوص القرآن : 107 .