محمد حسين علي الصغير

85

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

في ظلال الشهوات ، فالمتعة لا تتحقق لديهم إلا بانتقاء الأطعمة ، والحياة لا تصفو إلا بأطايب المأكولات ، عمد إلى تصوير حالهم مع كفرهم ، وكونهم بذلك لا يرجون إلا الحياة الدنيا ، ولا يعملون إلا لها ، فقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ . . . « 1 » وقد عقب ابن ناقيا البغدادي على ذلك فقال : « معنى تشبيههم بالأنعام في الأكل التخسيس لهم ، والازدراء بهم في هذه الحال ، ووصفهم بالجهل والدناءة ، وأنهم يأكلون للشره والنهم كالبهائم . وذلك أن الأكل على ضربين : أكل نهمة ، وأكل حكمة ، فأكل النهمة للشهوة فقط ، وأكل الحكمة للشهوة والمصلحة والعرب تمدح بقلة الأكل وخفة الرزء ، كما تذم بالرغب والبطنة والشره » « 2 » . هذه الصور الثلاث التي سقناها مثلا على خصائص التشبيه نلاحظ فيها الجانب النفسي مقترنا إلى الجانب الفني ، والغرض الديني مساوقا للغرض البياني . ففي النموذج الأول ، رأينا القلب القاسي مشبها بالحجارة بل هو أقسى منها ، وهي صورة حية يتخيلها الفكر بلمحة خاطفة ونظرة فاحصة بوقت واحد . وفي النموذج الثالث : رأينا الصورة الباهتة المشوهة للذين كفروا ، بأن شغلهم منحصر فيما يأكلون ، ولذلك فقدرهم من خلال هذا ممثل بنتيجة ما يأكلون . في كل هذه النماذج القرآنية نرى العلاقة قائمة بأصالة متناهية بين المشبه والمشبه به . لهذا نجد البلاغيين بحق قد اشترطوا وجود العلاقة بين المشبه والمشبه به بما يتناسب مع الإدراك ، لأنه تقويم للتشبيه من الولوج بباب الإيغال والإيهام ، وهذا يقتضي أن ينسجم التشبيه في طرفيه بما تسيغه الحواس المختلفة ، لأن الجوانب الحسية قلما تتداخل مع بعضها ، وتختلف باختلاف الحواس عند الإنسان ، فهي تدرك حينا بالعين المجردة ، وتدرك حينا بالعقل الفطري ، وتدرك حينا بالواقع الملموس المشاهد ، لئلا تتهافت

--> ( 1 ) محمد : 12 . ( 2 ) ابن ناقيا ، الجمان في تشبيهات القرآن : 255 .