محمد حسين علي الصغير

83

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

فالآية ناظرة إلى تجديد الخلق للجزاء ، وبعثهم يوم القيامة ، وإعادتهم بعد إفنائهم ، فهذه السماء المشاهدة النيرة بالنجوم والكواكب والشمس والقمر سوف تطوى في ذلك اليوم كما يطوى الكتاب على ما فيه ، ثم ينشر للعمل به ، والاستفادة من محتوياته ، فالمشبه والمشبه به مما يدرك بالحواس الناظرة والمتصورة تصورا بدائيا لا عناء فيه ولا تكلف ، تمثّلت الصورة فيه واضحة ، وتحققت الفكرة بسيطة سليمة ، تدرك في الأثر والشكل والحركة والنظام . يقول ابن ناقيا البغدادي ( ت : 485 ه ) : « ونقول في كيفية التشبيه أن الشيء يشبه بالشيء تارة في صورته وشكله ، وتارة في حركته وفعله ، وتارة في لونه ونجره ، وتارة في سوسة « 1 » وطبعه ، وكل منهما متحد بذاته ، واقع من بعض جهاته ، ولذلك يصح تشبيه الجسم بالجسم ، والعرض بالجسم ، والجسم بالعرض ، والعرض بالعرض » « 2 » . لهذا نجد تشبيهات القرآن باستخدامها جميع هذه الأصناف أكثر تأثيرا ، وأقوى دلالة من المشبه ، لتحقيق الجوانب التمثيلية من جميع جهاتها متجاوبة مع ما يحدثه هذا التنوع من تأثير على النفس ، كما ستلمس هذا جليا من خلال النماذج القرآنية الآتية : أ - حينما يريد اللّه أن يشبه قلوب بني إسرائيل قساوة استعمل المدلول الحسي لإصابة المعنى المراد فقال تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً « 3 » . فهذا الحجر القاسي المتصلد قد ينفجر منه الماء ، وقد تجري منه العيون ، وقد تشقق الأنهار ، ولكن قلوبهم أشد قسوة ، وأكثر غلظة ، إذ ذهب لينها ، وتلاشت رقتها ، وذلك غاية ما يتصور ، ونهاية ما ، يحتسب وذلك أن يكون القلب أقسى من الحجر .

--> ( 1 ) السوس : الأصل . ( 2 ) ابن ناقيا ، الجمان في تشبيهات القرآن : 43 . ( 3 ) البقرة : 74 .