محمد حسين علي الصغير
76
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
الشيء ، ولو كان عينه ، فهو ليس تشبيها . وإنما يعود تشبيها إذا تشابه من وجه وتباين من وجه ، وهكذا . وقد أيد وجوه التفريق والالتقاء قدامة بن جعفر ( 337 ه ) فقال : « إن الشيء لا يشبه بنفسه ولا بغيره من كل الجهات ، إذ كان الشيئان إذا تشابها من جميع الوجوه ، ولم يقع بينهما تغاير البتة اتحدا فصار الاثنان واحدا ، فيبقى أن يكون التشبيه إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها ، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها ، وإذا كان الأمر كذلك فأحسن التشبيه : هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها يدني بهما إلى حال الاتحاد » « 1 » . أما علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 ه ) فيضع الصيغة الاصطلاحية المناسبة لدى تعريفه للتشبيه فيقول : « التشبيه هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حسّ أو عقل ، ولا يخلو التشبيه من أن يكون في القول أو في النفس » « 2 » . ويبدو أن تعريف الرماني جامع مانع كما يقول أهل المنطق ، إذ أبان فيه وجوه الالتقاء بين المشبه والمشبه به في العقل أو الحس ، وهما اللذان يحكمان في المشاركة بين الشيئين في أمر ما ، وهذا التشبيه إما أن تدل عليه دلائل قولية ، أو إيحاءات نفسية . وقد تابعه على هذا التعريف نصا أبو بكر الباقلاني ( ت : 403 ه ) « 3 » وقال أبو هلال العسكري ( ت : 395 ه ) مضيفا إلى ما سبق : « التشبيه : الوصف بأن أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه ، ناب منابه أو لم ينب . ويصح تشبيه الشيء بالشيء جملة ، وإن شابهه من وجه واحد » « 4 » . وهذه الإضافة متمثلة بجواز نيابة أحد الموصوفين عن الآخر ، صحت
--> ( 1 ) قدامة بن جعفر ، نقد الشعر : 122 . ( 2 ) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 74 . ( 3 ) ظ : الباقلاني ، إعجاز القرآن : 399 . ( 4 ) العسكري ، كتاب الصناعتين : 245 .