محمد حسين علي الصغير

44

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

فائق ، واشتد باعهم في إصابة أغراضه فأتوا فيه بالخوارق ، وزينوا به خطبهم وأشعارهم حتى صارت الحقائق دثارهم وصار شعارهم » « 1 » . ولذلك يرى بعض البلاغيين أن المجاز هو علم البيان بأجمعه ، وأنه أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ، لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان « 2 » . وهبط القرآن الكريم بجزيرة العرب ، فكان المعجزة الكبرى ، والثروة البلاغية العظمى ، وحلم العرب بمادة مجازية ضخمة ، وبدائرة انتقالية متطورة ، تقرب البعيد ، وتقوم الذائقة ، وتشيع الإحساس ، وإذا صح ما رواه ابن خلكان ( ت : 681 ه ) من أن أبا عبيدة معمر بن المثنى ( ت : 206 ه ) قد وضع كتابه ( مجاز القرآن ) لسؤال عن قوله تعالى : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) « 3 » فقال إنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله ، وهذا لم يعرف ، وعزم على وضع كتابه في القرآن في مثل هذا وأشباهه « 4 » . إذا صح هذا علمنا مدى تنبه الذهنية العربية مبكرا لهذا الملحظ الدقيق في استنكاه ؟ ؟ ؟ مجاز القرآن ، وحاجة العرب إليه ، وهنا تنطلق قضية المجاز في القرآن أهي واردة أم منتفية ، وحاجة العرب للمجاز أهي ضرورة أملتها الضائقة البيانية في لغتهم أم هي مسألة تحرر وانطلاق ذهبوا إليهما ، هاتان القضيتان كتب فيهما الكثير المتناثر ، أو القليل المنظم ، وللوقوف عليهما والإجابة عن أبعادهما نطرح بإيجاز ما يأتي : 1 - رفض أهل الظاهر استعمال صيغ المجاز في القرآن كافة ، ووافقهم بعض الشافعية ، وقسم من المالكية ، وأبو مسلم الأصبهاني من المعتزلة « 5 » .

--> ( 1 ) ابن قيم الجوزية ، الفوائد : 10 . ( 2 ) ظ : أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 84 ، وانظر مصادره . ( 3 ) الصافات : 65 . ( 4 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان : 2 / 138 وما بعدها ، طبعة بولاق . ( 5 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 255 .