محمد حسين علي الصغير
45
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، فإن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على اللّه تعالى « 1 » . وقد عقب الزركشي ( ت : 794 ه ) على منع استعمال المجاز في القرآن بقوله : « وهذا باطل ، ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف ، وثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن » « 2 » . بينما حرص الجمهور والشيعة الإمامية ، وأغلب المعتزلة ومن وافقهم من المتكلمين على إثبات وقوعه في القرآن « 3 » . وقد أفرده بالتصنيف من الشافعية عز الدين بن عبد السلام ( ت : 660 ه ) في كتابه : الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز والحق أنه واقع في القرآن كما ستشاهد هذا فيما بعد لدى التطبيق المجازي على عبارات القرآن الكريم . حقا إن ابن قتيبة ( ت : 276 ه ) قد أشار منذ عهد مبكر إلى مسألة الطعن على القرآن في هذه القضية ، وناقشها مناقشة أدبية نقدية بارعة فقال : « وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز فإنهم زعموا أنه كذب ، لأن الجدار لا يريد ، والقرية لا تسأل ، وهذا من أشنع جهالاتهم ، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم ، ولو كان المجاز كذبا ، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا كان أكثر كلامنا فاسدا ، لأنا نقول : « نبت البقل » و « طالت
--> ( 1 ) ظ : السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : 3 / 109 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 255 . ( 3 ) ظ : في هذا الشأن : الجاحظ الحيوان : 1 / 212 ( * ) أبو عبيدة في مجاز القرآن ( * ) ابن جني ، الخصائص : 2 / 447 - 457 ( * ) الشريف الرضي في تلخيص البيان في أغلب نصوصه ( * ) السيد المرتضى ، أمالي المرتضى في أغلب مجالسه ( * ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 455 .