محمد حسين علي الصغير
199
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
أشبعه بعرض آخر ، تمحضا للموضوع وتأهبا للأمر في استكناه نظرية النظم التي تستجلى منها المعاني في سبيل العبارات وتراصف الجمل فيقول : « واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلم ، ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ، ويبنى بعضها على بعض ، وتجعل هذه بسبب من تلك هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس » « 1 » . وواضح أنه يتحدث هنا عن قضايا الإسناد في تركيب الجملة وأنها أصل ذلك ، وقضية الإسناد بشقيها في ارتباط بعضها ببعض ، من أصول المعاني لدى البلاغيين وهي أصولها عنده في نظرية النظم ، وهو يؤكد ذلك بعد كد وكدح واستقصاء وشواهد فيقول : « وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه ، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها ، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها ، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق ، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم يحسب موقع بعضها من بعض ، واستعمال بعضها مع بعض » « 2 » . وهو هنا يتكلم عن معاني النحو في فروقها ومميزاتها ووجوهها ويريد بذلك التعريف والتنكير والتقديم والتأخير ، والذكر والحذف ، ولا حدود لذلك لديه ، ولا نهاية لها عنده ، والفضل ليس لها في هذا المقياس ، ولكنه للموقع من الجملة بحسب معانيها وأغراضها ، ودقة استعمالها وتسخيرها ، هو يعاود هذه الفكرة فيقول : « واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتخذ أجزاء الكلام ، ويدخل بعضها في بعض ، ويشتد ارتباط ثان بأول ، وأن يحتاج في الجملة أن تضعها في النفس وضعا واحدا ، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع يساره هناك » « 3 » .
--> ( 1 ) أحمد مطلوب ، القزويني وشروح التلخيص : 288 . ( 2 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 51 . ( 3 ) المصدر نفسه : 71 .