محمد حسين علي الصغير

200

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وحينما ينتهي عبد القاهر من نظرية النظم بعد ربطها بمعاني النحو ، يأتي على المستوى التطبيقي للموضوع فيبحث هذه المسائل بحث المدرب الخبير ، فيعقد فصلا للقول في التقديم والتأخير « 1 » يبحث فيه جميع مواطن ذلك دون استثناء من كل الوجوه بلا تشويه للأمر ، ولا استئثار بإخراج الكلام عن وجه المعاني إلى سبل الفلسفة والمنطق والأصول ، كما فعل السكاكي والقزويني والتفتازاني فيما بعد ، بل هو يستنكر في هذا السياق التصور الأولي لدى علماء المعاني في التأكيد منه على التقديم والتأخير والحذف والتكرار والإظهار والإضمار والفصل والوصل دون الخوض في التفصيلات المضنية التي لا تقود إلى استكناه النص الأدبي بل على أساس من العناية في التطلع إلى مزية القول كما فعل في مجال التقديم بقوله : « وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال أنه قدم للعناية ، ولأن ذكره أهم ، من غير أن يذكر أين كانت تلك العناية ، ولم كان أهم ، ولتخيلهم ذلك قد صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم ، وهونوا الخطب فيه حتى أنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضرب من التكلف ، ولم تر ظنا أزرى على صاحبه من هذا وشبهه ، وكذلك صنعوا في سائر الأبواب فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار والإظهار والإضمار ، والفصل والوصل ، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك » « 2 » . فهو لا يذكر أبواب المعاني هنا فحسب بل وينعى على من تخلف في البحث بمستواها التقويمي والتعليمي مع بيان الحجة وكشف المميزات . ولا غرابة أن نجد عبد القاهر مستوعبا لجميع مباحث هذا الفن فهو يبحثها نقطة نقطة ، ويدرسها جزئية جزئية ، وكذلك صنع في باب الحذف « 3 » . وعقد عبد القاهر عدة فصول في باب الحذف تتناول مباحثه كافة في

--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 74 وما بعدها . ( 2 ) ظ : المصدر نفسه : 82 وما بعدها . ( 3 ) المصدر نفسه : 83 وما بعدها .