محمد حسين علي الصغير

198

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه ، ووجدته يدخل في أصل من أصوله ، ويتصل بباب من أبوابه . هذه جملة لا تزداد فيها نظرا ، إلا ازدادت لها تصورا ، وازدادت عندك صحة وازدادت بها ثقة ، وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر النظم شيئا إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها ، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر « 1 » . فنظرية النظم عند عبد القاهر في استجلاء معاني النحو ترتبط بالمسند والمسند إليه وقضاياهما ، وتستوعب مباحث الفصل والوصل على ما يفيده المعنى من كل حرف من حروف العطف وتشتمل على الحذف والقصر والتكرار وتترصد الإضمار والإظهار والتقدير مضافا إلى التعريف والتنكير ، وهذه أهم مباحث علم المعاني . وهنا يجب التنبه أن نظرية النظم عند عبد القاهر تنظر إلى النحو نظرة خاصة ومتطورة ، تتعدى حدوده التعريفية وعلاماته الإعرابية إلى خصائصه الفنية : « ولا يقصد بالنحو معناه الضيق الذي فهمه المتأخرون ، وإنما يريد المعاني الإضافية التي يصورها النحو . وبذلك رسم في « دلائل الإعجاز » طريقا جديدا للبحث النحوي تجاوزا أواخر الكلمة ، وعلامات الإعراب ، وبين أن للكلام نظما ، وأن رعاية هذا النظم واتباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة والإفهام » « 2 » . لهذا نجده يعير التركيب وسلامته ، وارتباط النظم وتعلق بعضه ببعض ، وتشابك العبارة وصلتها بما قبلها وما بعدها أهمية كبيرة يؤكد عليها في موضع أثر موضع ، ويناقشها في فصل بعد فصل ، ويحررها في جزء ليكملها في جزء آخر ، وهكذا ديدنه . . يكر على الأمر ويبحث أمرا موازيا له ويعود إليه ، ويحيل إلى ما يأتي ، ويشير إلى ما سبق ، ويتناول ما هو بين يديه . والرجل قوي الحجة ، صليب البرهان ، فلا يكاد ينتهي من عرض إلا

--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 79 . ( 2 ) المصدر نفسه : 66 - 68 .