محمد حسين علي الصغير
195
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وإضراب ذلك ، فإنما يتحدث عن علم المعاني ، وإن لم يقل أن هذه هي مادة علم المعاني ، فهو أمر مفروغ عنه في تأكيده المعاني في أصل نظريته ودلالته عليها في جملة مباحثه ومعالجاته الفنية وتناسق فكرة النظم لديه بحيال معاني النحو مشققا على ذلك ومفرعا عنه بما لا مزيد عليه « 1 » . ولا ريب في أن الفضل في ابتكار هذا العلم يعود إلى عبد القاهر وحده ، فإن مسائل هذا العلم لم تدرس قبله ولم تعالج على هذا النحو . . . ولعل تمعن عبد القاهر في الحديث عن معاني النحو ، وأن النظم ليس شيئا إلا توخي المعاني ، هو الذي أوحي بتسمية هذا العلم « بعلم المعاني » « 2 » . ولقد سبر عبد القاهر أغوار الفن البلاغي شرحا وإيضاحا وتطبيقا ، واعتنى في « دلائل الإعجاز » باللباب من علم المعاني وأكد الجانبي الحي النابض ، وابتعد عن الفهم الساذج ، والإبهام المفتعل وتحاشا الفصل بين النظرية والتطبيق ولم يعتن بالحدود والرسوم والتعريفات ، بل كان يؤثر الحديث عن الأصل الفني للمعاني دون الخوض في تعقيد التعريف أو جفاف القواعد ، فقد كتب كتابه هذا لمن تفرغ لهذا العلم ، فعليه إذن أن يعطي ثمرته يانعة باسقة متراصفة ، فلا غرابة أن نعده مبتكرا ومؤصلا لهذا العلم ، عرضا وأسلوبا ونتائج ، أما مجال التطبيق عنده فالقرآن الكريم . وسنن العرب في كلامهم ، شواهد وشوارد وأمثالا ، والشعر الرصين المختار . ولقد أفاد عبد القاهر من ثقافته الموسوعية فصبها قالبا متميزا يتمكن من القلوب ويستهوي النفوس ، ولعله أول من أشاد إلى تعلق هذه المعاني بعلم النفس وربطها به مما أثبتته الدراسات الحديثة فيما بعد « 3 » . ولعله أبلغ من فرع تلك الأصول المغلقة إلى فن تسيغه الذائقة ، وتتقبله الأفئدة ، يعيدك إلى التراث ، ويوقفك على المأثور ، دون غلطة في التعبير ، أو تهافت في الحجة ، أو تشادق في الكلام . وما ضره أن يبتعد
--> ( 1 ) المصدر نفسه : 458 - 462 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : 19 . ( 3 ) أحمد أحمد بدوي ، عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية : 369 .