محمد حسين علي الصغير
19
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
الحد ، أو الغلظة في الرسم ، أو الصرامة في القاعدة ، لهذا وأمثاله لم نجد عبد القاهر مهتما بإعطائنا أية حدود بلاغية تخص التعريف في أي مجال ، بل كان يؤثر الحديث عن قيمة أي أصل بلاغي ، وفنية دلالته ، بدلا من الدخول في تحديدات مربكة ، أو تعريفات فارغة ، لهذا نجده إزاء علم البيان متحدثا ببيانه الساحر ومنطقه الجزل ، ومصرحا باسمه دون من سبقه تسمية اصطلاحية ، ولكنه لم يعطنا بذات الوقت تعريفا اصطلاحيا ، فيقول : « ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا ، وأبسق فرعا ، وأحلى جنى ، وأعذب وردا ، وأكرم نتاجا ، وأنور سراجا من « علم البيان » الذي لو لاه لم تر لسانا يحوك الوشي ، ويصوغ الحلي ، ويلفظ الدر ، وينفث السحر ، ويقري الشهد ، ويريك بدائع من الزهر ، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر ، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها ، وتصويره إياها لبقيت كامنة مستورة ، ولما استبنت لها يد الدهر صورة ، ولاستمر السرار بأهلتها ، واستولى الخفاء على جملتها ، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء ، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء » « 1 » . فأنت تلاحظ من هذا النص وصفا تقويميا لعلم البيان ، وتأكيدا حثيثا على أهميته وقيمته ، ولقد ورد فيه اسم علم البيان نصا ، وورود التسمية عند عبد القاهر لم يكن عبثا دون مسمى ، ولم يأت فارغا دون تطبيق ، لأن مما لا شك فيه أن عبد القاهر تعقب هذه التسمية بمسمياتها ، وهذا العلم بتفريعاته ، فقد تحدث بإسهاب عن الحقيقة والمجاز ، ثم عن الاستعارة وأصنافها ، ثم نجده فقد فصل القول في التشبيه والتمثيل ، ثم يعرض إلى الكناية والتعريض . فهل ترى عبد القاهر في وضع هذه الأبواب ، وبحث هذه الفصول ، كان يقوم بعمل اعتباطي غير منظم دون لمح إلى هذا الترتيب القويم لمفردات « علم البيان » أما أنا فلا أعتقد ذلك ، بل الذي أراه أنه عمد إلى مفردات علم البيان فبحثها ونظر لها وتعقبها ، ليضع بذلك مقاييس علم البيان ، كما أن جهوده في فكرة النظم ، وارتباطها بمعاني النحو ، ما كان إلا تمهيدا طبيعيا لما تعارفوا عليه فيما بعد باسم « علم المعاني » ؛ فهو
--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 4 .