محمد حسين علي الصغير
20
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
حينما يتحدث عن الفصل والوصل ، والتقديم والتأخير ، والذكر والحذف ، والمسند والمسند إليه ، والتعريف والتنكير ، فإنما يتحدث عن علم المعاني ، وإن لم يقل إن هذه هي مادة علم المعاني ، ومفرداته فهو أمر مفروغ منه عنده في تأكيده المعاني ، وارتباط فكرة النظم بمعاني النحو ، مشفقا على ذلك ومفرعا عنه « ولا ريب في أن الفضل في ابتكار هذا العلم يعود إلى عبد القاهر وحده ، فإن مسائل هذا العلم لم تدرس قبله ، ولم تعالج على هذا النحو . . ولعل تمعن عبد القاهر في الحديث عن معاني النحو ، وأن النظم ليس شيئا إلا توخي هذه المعاني ، هو الذي أوحى بتسمية هذا العلم « بعلم المعاني » « 1 » . وما يقال عن علم المعاني في ترتيب عبد القاهر لمباحثه البلاغية يقال عن « علم البيان » نصا ، مما يجعلنا نؤيد بقوة ما ذهب إليه الدكتور أحمد أحمد بدوي في حديثه عن الترتيب الطبيعي لمفردات علم البيان وأبوابه عند عبد القاهر « هذه الأبواب ذات الصلة المتشابكة ، جمعها عبد القاهر في كتاب ، واعترف بأهميتها في البلاغة العربية ، وقرر أن البلغاء ينظرون إليها نظرة تقدير وإعجاب هي التي جمع شملها من جاء بعد عبد القاهر في مسائل علم البيان في محاولته تحديد مسائله ، وذكر أقسامها ، ومعرفة سر بلاغتها ، والوقوف عند أمثلتها ، يستوحي سر جمالها ، وذلك مجتمعا لم يقم به بلاغي قبل عبد القاهر » « 2 » . وبعد عبد القاهر نجد الزمخشري ( ت : 538 ه ) يذكر مصطلحي علم المعاني وعلم البيان نصا في حديثه عن آداب التفسير « ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان » « 3 » مما حدا بالدكتور شوقي ضيف أن يعده أول من ميز بين المصطلحين ، وقسم البلاغة إلى علمين هما المعاني والبيان « 4 » .
--> ( 1 ) أحمد أحمد بدوي ، عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية : 369 . ( 2 ) المرجع نفسه : 371 . ( 3 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / . ( 4 ) شوقي ضيف ، البلاغة تطور وتاريخ : 221 وما بعدها .