محمد حسين علي الصغير
16
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
المعنى أنفع وأنجع « 1 » . ويخلص إلى أن البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى ، وهتك الحجب دون الضمير ، حتى يفضي السامع إلى حقيقته ، ويهجم على محصوله ، كائنا ما كان ذلك البيان ، ومن أي جنس كان ذلك الدليل . لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والأفهام ، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى ، ذلك هو البيان في ذلك الموضع « 1 » . وهذا الاتساع الفضفاض في صفة البيان لا يعطي دلالة اصطلاحية ، ولا يفضي إلى ضبط علمي دقيق عند الجاحظ ، وإنما يعني بأهمية البيان أكثر من تحديده وبقيمته عند القدامى والمعاصرين له بشكل يوحي بعدم إرادته للمصطلح بل البيان بمعناه العام المطلق المشتمل على معايير القول وموازين الكلام ، فهو يورد التعميمات الآتية ( البيان بصر ، والعي عمى . . . البيان من نتاج العلم ، والعي من نتاج الجهل . . . البيان ترجمان العلم . . حياة العلم البيان . . . البيان عماد العلم ) « 3 » . وفيما أورده يتضح أنه نثر بعض الحكم والأمثال في صفة البيان وأهميته بالنسبة للعلم وموقعه منه ، وهذا يدلنا بوضوح أن المصطلح بعد لم يتمخض عن ميلاد . وينطوي أكثر من قرن على هذا الفهم للبيان فيطل بلاغي عظيم القدر هو علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 ه ) فلا يزيد على البيان في دلالته شيئا ، بل نجده يحذو حذو الجاحظ في عموميات وتقسيمات أشار إليها الجاحظ من ذي قبل ، وهي جميعا لا تعنى بالمعنى الاصطلاحي ، ولا تحدد تضاعيفه . حقا لقد حصر الرماني بنظرة بلاغية قويمة جزءا يعتد به من أشتات البلاغة العربية ومفرداتها ، وكان هذا الحصر متمثلا بتقسيمه البلاغة إلى عشرة أقسام هي : الإيجاز ، والتشبيه ، والاستعارة ، والتلاؤم ، والفواصل ،
--> ( 1 ) الجاحظ البيان والتبيين : 1 / 77 . ( 3 ) المصدر نفسه : 1 / 78 .