محمد حسين علي الصغير

147

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) « 1 » . ب - وحينما يريد القرآن الكريم للكلمة المهذبة أن تشيع ، وللعبارة المؤدبة أن تنتشر يعمد إلى مجموعة الألفاظ التي تتعلق بالجنس فيعبر عنها تعبيرا موحيا ، تفهم من ضم بعضه إلى بعض مراد اللّه به بعبارة مؤدبة من غير حذر أو إحراج فيقول سبحانه وتعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ « 2 » . ويقول تعالى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ * « 3 » وفي ذلك من التهذيب والتأديب وحسن المأخذ ما فيه . ج - وحينما يريد اللفظ أن يرتفع بمستواه ، وللكلمة أن تسمو بعطائها ، يتكلم باللازم ، ويكنى عن نتائج ذلك بما يذكره من اللفظ الظاهر فيقول عن المسيح وأمه : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ « 4 » وهو كناية عن الحاجة . وكذلك قوله تعالى : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ * « 5 » . فإن المراد ليس المكان المرتفع من الأرض ولكن ما يؤتى عليه فيه عند قضاء الحاجة ، بوصفه لازما له . د - وحينما يريد القرآن الكريم تهذيب النفس والارتفاع بمستواها إلى درجة المسؤولية فإنه يمنع عليها الاغتياب بتكثيف ظله بأن يعمد إلى صيغة الكناية للتعبير عن هذا الهدف الكبير ، فيصوره تصويرا يدعو إلى اشمئزاز النفوس وكرب القلوب فيقول تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ . . . « 6 » .

--> ( 1 ) الإسراء : 29 . ( 2 ) البقرة : 223 . ( 3 ) النساء : 43 ، المائدة : 6 . ( 4 ) المائدة : 75 . ( 5 ) النساء : 43 . ( 6 ) الحجرات : 12 .