محمد حسين علي الصغير
148
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
فعدل سبحانه عن ذكر مادة الاغتياب مكررة وكنى عنها بأكل لحم الأخ ، ولم يكتف بذلك حتى جعله ميتا ، فكان هذا التشبيه التمثيلي الممض ، والتجسيم الكنائي المشمئز داعية إلى العرب من جهة ، وإلى تأنيب الضمير من جهة أخرى . إن هذه المعاني التي أثارها القرآن الكريم ، وهو يصوغها كنائيا تدل دلالة قاطعة على عدة جوانب نفسية توخى القرآن الكريم مراعاتها والحفاظ عليها ، تكريما للألفاظ واحتراما للكلمات ، ومراعاة لأدب النفوس ، وكل ذلك يدل على أهمية الكناية وجليل منزلتها في التعبير المثلي في القرآن وعند العرب . أقسام الكناية : يستفاد من تقسيم البلاغيين المتأخرين ، أن للكناية ثلاثة أقسام باعتبار المكنى عنه ، فقد يكون المكنى عنه صفة ، فتجيء الكناية لطلب نفس الصفة ، وقد يكون المكنى عنه موصوفا فتجيء الكناية لطلب نفس الموصوف ، وقد يكون المكنى عنه نسبة ، فتجيء الكناية لطلب النسبة بين الصفة والموصوف . وللوقوف على أبعاد هذا التقسيم نرصده بالشكل الآتي : 1 - كناية الصفة : وهي التي يطلب بها نفس الصفة ، والمراد بالصفة ، الصفة المعنوية ، كالجود ، والكرم ، والإباء والشجاعة وأمثال ذلك ، لا النعت المعبر عنه بالصفة في اصطلاح النحويين « 1 » . أ - فأنت إذا نظرت إلى قوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) « 2 » .
--> ( 1 ) ظ : القزويني ، الإيضاح : 319 . ( 2 ) الإسراء : 29 .