محمد حسين علي الصغير

146

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

يتغيران بأن يكنى عنهما بطول النجاد ، وكثرة رماد القدر ، وتقدير التغيير فيهما يؤدي إلى أن لا تكون الكناية عنهما ولكن بغيرهما » « 1 » . ولعل أسلوب الكناية من بين أساليب البيان هو الأسلوب الوحيد الذي يستطيع به المرء أن يتجنب التصريح بالألفاظ الخسيسة أو الكلام الحرام . . . والعبارات المستهجنة التي تدخل في دائرة الكلام الحرام قد يكون باعثها الاشمئزاز ، وقد يكون باعثها الخوف ، الخوف من اللوم والنقد والتعنيف والخوف من أن يدفع المرء بالخروج عن آداب المجتمع الذي يعيش فيه لكل ذلك كانت الكناية هي الوسيلة الوحيدة التي تيسر للمرء أن يقول كل شيء ، وأن يعبر بالرمز والإيحاء عن كل ما يجول بخاطره « 2 » . ان اللغة المهذبة مصدر إيحائي من مصادر الفكر العربي والقرآني ، وقد كان القرآن الكريم حريصا كل الحرص على إيصال مفاهيمه إلى الجميع دون جرح العواطف أو خدش المشاعر ، أو اشمئزاز النفوس ، وكان الطريق إلى ذلك هو الكناية بما تمتلك من قدرة على التعبير الموحي والمهذب بوقت واحد ، وأضافت إلى ذلك الاتساع في الكلام ، والمبالغة في النكير ، والمحافظة على الأدب الراقي الممتاز ، وحسبك في النماذج الآتية دليلا على ما نقول : أ - حينما يريد القرآن الكريم التعبير عن مبدأ الموازنة في الانفاق والقصد في المعاش ، يرسم لنا صورة فنية ، رائعة لحالتين متناقضتين حالة البخل إلى درجة الشح ، وحالة الكرم إلى درجة التبذير ، ويجد خير مثال لذلك اليد المغلولة إلى العنق التي لا تستطيع أن تتصرف ، ولا تستطيل إلى التكرم فهي جامدة منقطعة مشلولة مقيدة ، للتعبير عن حالة البخل والتقتير ، ونفس هذه اليد مبسوطة لا تقبض على الشيء ، ولا يستقر بها شيء للتعبير عن الإفراط والتبذير إلى حد السفه ، ولقد كانت هذه الصور مما يطرب لها العرب ، ويهزهم بها حسن الكناية وجودتها حتى عادت مثلا من الأمثال سيرورة وذيوعا وانتشارا ، وذلك قوله تعالى :

--> ( 1 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 290 . ( 2 ) ظ : د . عبد العزيز عتيق ، علم البيان : 224 .