محمد حسين علي الصغير
119
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) « 1 » . فالمراد ذر بأسي ، وأترك عذابي وعقوبتي ، إلا أن المبالغة في التهديد ، والشدة في الوعيد ، اقتضت نسبة ذلك إليه - تعالى - ولو استعمل غير هذا اللفظ لما قام مقامه ، ولا أدى دلالته ، ولبقيت الصورة المرادة غير ماثلة للعيان كما هو الحال الآن . د - تريك الاستعارة في تعبيرها إشاعة الحياة في الجماد ، وإفاضة الحركة عند الكائنات ، وكأنها ناطقة تتكلم ، ومكلفة تمتثل ، وقادرة تتصرف ، كما في قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) « 2 » . وفي هذا دلالة على التوسع في اللغة ، والمبالغة في الإيجاز ، والتفنن في التصوير ، فإشاعة الحركة في السماء والأرض تغني عن شرح إطاعتهما وكيفيته بالتقدير أو التسخير ، وإضافة هذه المقدرة في الاستماع والاستجابة تكفي عن البيان المستفيض في الإبداع ، وتصورها بهيئة من يعي ويسمع وينطق تغني عن التمثيل والتشبيه . ه - يلاحظ في الاستعارة التقريب الوصفي ، ومراعاة المناسبة ، ولمح الصلة بين الأصل والنقل الاستعاري ، وذلك كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ . . . « 3 » . « وهذا الوصف إنما هو على ما يتلوح للعين لا على حقيقة المعنى ، لأن الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه لغروب الشمس وإضاءته لطلوعها ، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر ، إلا أنهما في رأي العين كأنهما ذلك ، والسلخ يكون في الشيء الملتحم بعضه ببعض ، فلما كانت هوادي الصبح عند طلوعه كالملتحمة بإعجاز الليل
--> ( 1 ) المدثر : 11 . ( 2 ) فصلت : 11 . ( 3 ) يس : 37 .