محمد حسين علي الصغير

118

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

الألفاظ ، فالمستعار منه هو النار ، والمستعار له هو الشيب ، وقد جمعهما معنى حسي بوجه حسي ، وهو التوهج ، وإنك لا تجد ذلك في : وازداد الرأس شيبا ، ولا في : شاب رأسي ، ولا في غيرهما عند التقدير ، فكأن اللفظ بصيغته الاستعارية وضعت لهذا المعنى السيار . ب - يتجلى في الاستعارة إعطاء صفة الفعل لمن لا يفعل ، وإضاءة الكائنات بالتصرف وإن لم تتمكن ، ألا ترى إلى قوله تعالى : إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 ) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) « 1 » وما فيه من إضفاء صفة من يعقل إلى ما لا يعقل ، ومزية من يعمل إلى من لا يعمل ، وفضيلة الفعل إلى من لم يفعل ، ويكفي أن أحيلك إلى أبي هلال العسكري ليكشف لك هذا المصدر البياني من جانب آخر بالإضافة إلى ما سبق بقوله : « حقيقة الشهيق هاهنا الصوت الفظيع ، وهما لفظتان ، والشهيق لفظة واحدة ، فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان . وتميز : حقيقته تنشق من غير تباين ، والاستعارة أبلغ ، لأن التميز في الشيء هو أن يكون كل نوع منه مباينا لغيره ، وصائرا على حدته ، وهو أبلغ من الانشقاق ، لأن الانشقاق قد يحصل في الشيء من غير تباين ، والغيظ : حقيقته شدة الغليان ، وإنما ذكر الغيظ ، لأن مقدار شدته على النفس مدرك محسوس ، ولأن الانتقام منا يقع على قدره ، ففيه بيان عجيب ، وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البتة » « 2 » . وفضلا عما سبق إليه أبو هلال نجد الاستعارة قد حققت في الألفاظ الثلاثة : الشهيق ، تميز ، الغيظ ، دلالة لا يمكن استيعابها في الألفاظ الاعتيادية لو استبدلت فيها ، وفي هذا الاستعمال صوت نار جهنم بصورة هائلة تخيلتها ازددت منها رعبا ، وملئت منها فزعا ، وكأنها مخلوق ذو قوة وبطش ، ومجهول ذو منظر عبوس . ج - يتمثل في الاستعارة ، تهويل الأمر ، ودقة المبالغة ، وشدة الوقع ، ويمثل هذا الملحظ قوله تعالى :

--> ( 1 ) الملك : 7 - 8 . ( 2 ) العسكري ، كتاب الصناعتين : 277 .