محمد حسين علي الصغير
11
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
القيمة البيانية العرب أمة بيان ، وأئمة لسان ، ولو قسم التراث الإنساني بين الأمم ؛ لكان الفن القولي تراثهم ، والموروث البلاغي نصيبهم ، لهذا كان القرآن من جنس ما يحسنون ، ومن سنخ ما يعرفون ، أنزل بلسان عربي مبين ، ومن ثم كان إعجازه البياني أرقى مراتب الإعجاز ، ومناخه في تقويم اللسان من أولى دلائل التبليغ . وأعمق المعجزات أثرا ما وافق مميزات العصر ، وأعلاها منزلة ما واكب متطلبات الفطرة ، ولقد جبل العربي في صحرائه على حب الكلمة وتوخي عذوبة الألفاظ ، تهزه الخطبة وتطربه القصيدة ، حتى عمد إلى مختارات من الشعر العربي الرائق فعلقها على ظهر الكعبة ، وهي أقدس بقعة ، وأول بيت وضع للناس . وكانت أسواقهم الأدبية في عكاظ ومجنة وذي المجاز مسرح خطبهم ، ومنابر فخرهم ، يتلى فيها ما يمثل قريحتهم ويواكب ذائقتهم . وتأسيسا على هذا المنطق الواضح يصح لنا تحديد التراث الإنساني للعرب بالبيان ، فالبيان كل شيء في حياتهم ، وكل شيء بعد مماتهم ، به يتبارون وعليه يثيبون ، وفيه يتمايزون . وهبط القرآن الكريم بين ظهرانيهم فكان ثروة بيانية لا تنفذ ، ومعينا بلاغيا لا ينضب ، ورسالة سماوية لا يقربها الباطل ، وكلمهم بلغتهم فنفذ إلى قلوبهم محتفلا بالبيان ، فهو بيان للناس ، يهديهم ويرشدهم ويوجههم نحو اللّه .