محمد حسين علي الصغير

12

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) « 1 » . وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير كما يقول الزمخشري « 2 » فهو لغة الضمير المعبر عنها بالكلمات ، وهو حديث النفس المصور بالألفاظ ، لهذا فعل في العقول ما يفعل السحر فصور النبي الكريم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك بقوله : « إن من البيان لسحرا » « 3 » . فاحتفاؤنا به احتفاء بركن قويم من أركان الوعي البشري المتطور ، ينطق به الفكر وينبض به الجنان ، فهو من العرب عصارتها ، ومن الحضارة زبدتها ، تزان به ثمرات العقول ، وتقاس عليه مدارج الرقي ، وتبلغ فيه حاجات النفس ، وتبلّغ به رسالات السماء ، ويميز به الإنسان عن سائر المخلوقات ، فبحسبه أنه مبين ، تمييزا عن الأبكم والأعجم والأخرس ، وتفضيلا عن الصامت والواجم والجماد ، ولا تذهب كل مذهب ، فللبيان إطلاق في اللغة ، وإطلاق في الاصطلاح ، وللتفريق بينهما لا بدّ من مقارنة ترفع الإبهام ، وتزيل الغموض ، فليس كل بيان بيانا ، ولا كل منطق بفصيح ، فالكلام مراتب ، والأفهام تتفاوت ، فما كان منه بوجه من وجوه العربية الفصحى ، مشتملا على المجاز في شتى ضروبه ، والتشبيه بمختلف صنوفه ، والاستعارة بأبهى إرادتها ، والكناية بأبلغ أداتها ، فهو البيان المعني بالحديث ، بل هو علم البيان في التفريع عند التطبيق ، وما كان قاصدا إلى التعبير فحسب ، فهو إبانة قد تحقق مميزات هذا العلم ، وقد لا تحققها ، من هنا لم يكن هناك مناص من التفريق بين الوجهين في ضوء المعنى اللغوي والمصطلح الفني لنخلص إلى ما نريد بالتحديد . وهذا ما يقتضي بيان المعنى اللغوي من جهة ، ومسايرة البيان بمعناه العام من جهة ثانية ، وتحديد المصطلح البياني ثالثة ، وهو ما تبحثه الصفحات الآتية .

--> ( 1 ) الرحمن : 1 - 4 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 4 / 353 . ( 3 ) ابن الأثير ، النهاية في غريب الحديث والأثر : 1 / 174 .