محمد حسين علي الصغير

105

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وجد له التشبيه أصدق صورة في الكلب اللاهث ، يدلع لسانه ، ويسيل لعابه ، وتخفق جانباه ، في حالتي راحته وتعبه ، وصورتي إيوائه وإبعاده ، فالكلب هنا : أنسب كائن يراعي مقتضى الحال ، فالذي انسلخ يكد ويكدح في تحريف كلمات اللّه ، فهو جاحد لها ، أو رافض لمضمونها ، فالحالة هذه تمثله وهو ينوء بعبء لم يستفد منه ، ويعاني ثقلا لم ينهض به ، وهكذا الكلب في نصبه الكادح بداع وبغير داع ، قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ . . . « 1 » . وهكذا نجد الكائنات - وفيما ضربناه من أمثلة الكفاية - عنصرا من عناصر التشبيه اقتضته ضرورة الصورة لتحقيق الغرض الفني ، فهو لم يرد مستعملا بوصفه تشبيها فحسب ، بل بوصفه أسلوبا من أساليب البيان يعتمد عليه النص الأدبي الرفيع في القرآن الكريم لتشخيص الحقيقة من الغموض والإبهام . 3 - وهبات الطبيعة في المناخ والمياه والتربة والأنبات لمسات تشخيصية للتشبيه القرآني ، متجانسة كل التجانس بما يحقق العمق الفني بأرقى مدركات التشبيه الحسية لتقريب المعنى العقلي البعيد فتجعله في متناول الفهم والتخييل عند الإنسان . أ - فالقرآن الكريم حينما يشبه أمرا معنويا طيبا ، وعملا إنسانيا صالحا ، وكلمة نزيهة صادقة ، يجد في معطيات الطبيعة ، ومنح الكون ، تشخيصا لهذا المدرك العقلي فهو يعده مباركا ثابتا متطاولا ، والشجرة الطيبة في نموها وظلالها ورسوخها خير مثال له في التشبيه المنتزع من أمور متعددة ، والعكس بالعكس في الأمر المعنوي الخبيث في ملاءمته للشجرة الخبيثة في بقعتها وثمرتها وزعزعتها عن الأرض ، وهو بهذا يضفي الظل المحسوس المعاصر للإنسان على ذلك الظل الخفي المعقول الذي لا يدرك

--> ( 1 ) الأعراف : 175 - 176 .