محمد حسين علي الصغير

106

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

إلا بتصويره وتخيله شاخصا ، وذلك قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 ) « 1 » . ب - وهو حينما يريد تشبيه الصدقات التي لا تجلب نفعا ، ولا تدفع ضرا ، ولا تستنزل رحمة ، لأنها امتزجت بما يفسدها من الرياء بين الناس تارة ، واختلطت بما يعكرها من المن والأذى تارة أخرى ، يجد في « الصفوان » الذي يغطيه غشاء شفاف من التراب فيصيبه المطر فيتصلب ويتجمد عليه ، فيعود متحجرا صلدا ، صورة شاخصة لبلوغ التشبيه ذروته في التجسيد ، وذلك بتخيل هذا الحجر ناتئا بارزا وقد غطي بغلاف خارجي من التراب المبتل بوابل المطر ، تعبيرا عن القلب يعود في غشاوة مما داخله من الرياء ، أو بما نفث من المن والأذى ، فبدلا من أن يساعد المطر المنصب عليه في إزالة التراب والقذى المتراكم ، وإذا به يزيد الحجر قساوة ، ويتصلب به هيكلا متحجرا لا ينقد ، أنظر ذلك في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 264 ) « 2 » . بينما تطالعنا الصورة الأخرى لهذا العمل - والحديث ينصب حول الصدقات - مقترنة بطلب مرضاة اللّه ، وتثبيت النفوس ، وإذا بها حقيقة أخرى تمثل مغاداة الرحمة ومعاودة البركة ، والموضوع نفسه ، ولكن الموضع قد تغير فعاد الفرق متميزا ، وذلك قوله تعالى :

--> ( 1 ) إبراهيم : 24 - 26 . ( 2 ) البقرة : 264 .