محمد حسين علي الصغير
104
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
أ - فهؤلاء العاكفون على أصنامهم ، والسادرون بأهوائهم ، يسيئون صنعا ويحسبون أنهم محسنون ، يبذرون جهودهم في بناء الأوهام ، واتخاذ الأنداد للّه تعالى ، فهم في عمل لا جدوى معه ، وجهد لا تعويض عنه ، فيبرز تشبيههم بالعنكبوت التي تجهد نفسها ، وتشغل بيتها ، باتخاذ بيت ليست له مقومات البيوت ولا إحكام البناء ، فهو نتاج واهن ضعيف ، وكذلك عبادتهم في الضعة والضعف ، قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 1 » . ب - وحينما يجد القرآن اليهود ، وقد كلفوا ثقل الأمانة وأدركوا سر العقيدة ، وتحملوا عبء التوراة ، ثم نكصوا على أعقابهم ، وتخلوا عن كل ذلك ، فهم لا يعملون بمضمونها ولا يصيخون سمعا لندائها ، تاركين وراءهم الحق المبين ، والصراط المستقيم ، فهم والحالة هذه على درجة قصوى من الغباء والضياع ؛ حينما يلاحظهم هكذا وعلى هذا المستوى فتشبيههم بالحمار وهو يحمل كتبا نفيسة جاء مطابقا لمقتضى ظروفهم الفعلية التي يحيونها ، إذ ليس من شأن الحمار أن يستفيد بمضامين الكتب ، وليس له منها إلا الثقل في الحمل ، وكذلك شأنهم حينما تبينوا صدق الرسالة المحمدية بأنباء التوراة عنها ثم خلفوها وراء ظهورهم ، ولم يعملوا بما علموا ، فالحمار إذن أبلغ تشخيص لهم يمثلون بمجموعة أوضاعه في حالة حمله الأسفار ، وفيه إشعار بالمهانة ، وتصريح بالتحقير في صورة بائسة مزرية ، وكيفية تجلب السخرية والاستهزاء ؛ قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 5 ) « 2 » . ج - وهذا الذي انسلخ من آيات اللّه بعد عرفانه بموضعها ، وإدراكه لسرها ، قد أخلد إلى الأرض ، واتبع هواه وضل في غوايته ناصبا لاغبا ،
--> ( 1 ) العنكبوت : 41 . ( 2 ) الجمعة : 5 .