محمد حسين علي الصغير
103
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
أرأيت كيف استوضحت حالة المنافق في هذه التشبيهات المركبة ، مصورا أزمته النفسية في الاضطراب ومعاودة الخوف من هذه الظواهر التي يتوقع فيها هلاكه ، ومعبرا عن أمر الحيرة المقلقة له بخطف البرق للأبصار ، وتردده بين الأحجام والأقدام ، ووقوفه القاتل أو السير بلا هدى فهو بين مصير مجهول وتذبذب معلوم . هذا في النموذج الأول ، أما في النموذج الثاني ، فنرى التشبيه المركب مادة فنية خصبة تسيغها أفهام القوم ، فالبدوي الذي يتطلب الماء ، فإن أخفق في تحصيله أخفق في حياته وعاد يائسا ، وهو في قيض لا يرحم ، وظمأ لا يهدأ ، فسكرات الموت حينئذ أقرب إليه من حبل الوريد ، وأعمال الكافرين صورة لمتطلب الماء ثم لا يجده ، ومثال للسراب الذي يشتد نحوه الظمآن فيفاجأ به وهو يظنه ماء يروي غلته ، وإذا به يذهل لفقدان الماء ووجدان اللّه بالمرصاد ، وهي مفاجأة أخرى ليست في الحسبان ، وحينما يخفق من هذا الالتماع الخلب في السراب الذي حسبه ماء تصدمه الظلمات المتراكبة في بحر شديد الأمواج متراكمها ، يعلوه سحاب ، فتتكون بذلك طبقات من هذه الفوقيات : الموج فوقه موج من فوقه سحاب ، فهو في ظلمات يفقد معها حاستي السمع والبصر ، كما فقد حاسة البصيرة من ذي قبل . 2 - وبالإضافة إلى التشبيه بالظواهر الطبيعية ، والسنن الكونية ، عمد القرآن إلى الكائنات الحية من الحيوانات فوجد فيها ملاءمة لضرب الأمثال وتصوير الأحداث ، وصدق التشبيه ، ومسايرة الواقع المعاصر في الحال والاستقبال ، فاختار أوهنها : لتشبيه ضعف العبادة ووهنها ، وهو العنكبوت ، وأغباها : لمن يحمل العلم ولا ينتفع به ، وهو الحمار ، وأضعفها : لمن حالفه العجز والاستحالة وهو الذباب . وأتعبها : لمن يشتد لهاثه لا إلى غاية مجدية معينة ، وهو الكلب . وأصغرها لمن يستنكر ضرب الأمثال بالمخلوقات الضعيفة ، وهو البعوض . وهكذا : وتأتي هذه الكائنات في الاستعمال التشبيهي متقاطرة ، ويبرز عملها متناسقا مع التصوير الفني لحقائق الأشياء ، وطبيعة الموصوفات ، وأوجه الشبه المناسبة ، بما يحقق الجانب البلاغي في مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وهي على الشكل الآتي :