محمد حسين علي الصغير
102
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وفي هذا الضوء نلمس التشبيه القرآني ذا صورة دائبة بالحركة والاستثارة والتلوين ، هذه الصور قد هدفت - بضم بعضها إلى البعض الآخر - تقريب الأشياء ، وإبراز الحقائق ، واستخلاص العظات والبينات فيما تنبته الأرض ، وما يهبط عليها من السماء ، وفيما تتقاذفه الرياح ، وفيما يطرأ عليها من تقلبات المناخ وتصريف الأجواء ، وما يصاحب ذلك من نور وظلام ، ورعد وبرق ، وليل ونهار ، وموج ولجج وسحاب وضباب ، وأصداء وأصوات ، وما تثير هذه العوالم مجتمعة أو متفرقة من رعب أو أمن واستقرار « 1 » . 1 - هذا المظهر الطبيعي يرصفه القرآن الكريم في تشبيه حالة المنافقين تارة ، وحالة الكافرين وأعمالهم تارة أخرى ، فالأول قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) « 2 » . والثاني يصوره قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( 40 ) « 3 » .
--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 187 . ( 2 ) البقرة : 17 - 20 . ( 3 ) النور : 39 - 40 .