العلامة المجلسي

395

بحار الأنوار

واجب عند ارتفاع أسبابه ، لو كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بايع في الابتداء من الامر مبتدئا بالبيعة ، طالبا لها راغبا فيها ، من غير تقاعد ، ومن غير أن تأخذه الألسن باللوم والعذل ، فيقول واحد : حسدت الرجل ، ويقول آخر : أردت الفرقة ووقوع الاختلاف بين المسلمين ، ويقول آخر : متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد أهل الردة ، ويطمع المرتدون في المسلمين ، ومن غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع المتفرقون ، ويدخل الخارجون ، ولا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا ، فأما والامر جرى على خلاف ذلك ، فالظاهر الذي لا إشكال فيه أنه ( عليه السلام ) بايع مستدفعا للشر ، وفرارا من الفتنة ، وبعد أن لم يبق عنده بقية ولا عذر في المحاجزة والمدافعة . هذا إذا عولنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضى للتقية ، وقد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف إما منفردا أو مضمونا إليه ، وذلك أنه لا خلاف بيننا وبين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب انكاره بشرائط منها أن لا يغلب في الظن أنه يودي إلى منكر هو أعظم منه ، وأنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز انكاره ، ولعل هذه كانت حال أمير المؤمنين في ترك النكير . والشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز ، بل تروى روايات كثيرة أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عهد إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بذلك وأنذره بأن القوم يدفعونه عن الامر ويغلبونه عليه ، وأنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الردة ، ورجوع الحرب جذعة وأمره بالاغضاء والامساك إلى أن يتمكن من القيام بالامر ، والتجويز في هذا الباب لما ذكرنا كاف . فان قيل : هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك انكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره ، ولا نقطع على رضاه به . قلنا : لا شك في أن من رأيناه كافا عن نكير منكر ونحن نجوز أن يكون إنما كف عن نكيره لظنه أنه يعقب ما هو أعظم منه ، فانا لا نذمه ولا نرميه أيضا