غانم قدوري الحمد

15

أبحاث في علم التجويد

أنهم كانوا يطبقون أصول التجويد تطبيقا عمليا ، وهم ينقلون القراءات بالتلقين والمشافهة ، مثلما كانت الأجيال الأولى من الصحابة والتابعين يجوّدون القرآن ، وهم لم يدرسوا هذا العلم في الكتب ، وإنما كان ذلك مرتبطا بتلقيهم القرآن مجوّدا ، إلى جانب تمكنهم من الفصاحة ، وخلوص ألسنتهم من العجمة . وقد قال الأستاذ محمد المرعشي ( ت 1150 ه - 1737 م ) الملقب بساجقليزاده في كتابه القيم ( جهد المقل ) « 1 » : « وتجويد القرآن قد يحصله الطالب بمشافهة الشيخ المجود ، بدون معرفة مسائل هذا العلم ، بل المشافهة هي العمدة في تحصيله ، لكن بذلك العلم يسهل الأخذ بالمشافهة ، وتزيد المهارة ، ويصان به المأخوذ عن [ طروء ] الشك والتحريف » . فكانت مباحث علم التجويد مرتبطة بالقراءات وروايتها ، ارتباطا عمليا تطبيقيا ، حتى ميّزها علماء القراءة بكتب مستقلة في القرن الهجري الرابع وما بعده . ولعل القارئ يتساءل عن الفرق بين كتب القراءات وموضوعها وكتب التجويد وموضوعها ويقول : ألا يمكن اعتبار بداية التأليف في القراءات بداية للتأليف في علم التجويد ؟ والواقع أن علم القراءات وعلم التجويد ، وإن كانا يرتبطان بقراءة القرآن الكريم ، فإن بينهما اختلافا في ما يتناوله كل منهما من قراءة القرآن ، وفي منهج كل منهما في طريقة تناول موضوعه . وقد قال الأستاذ محمد المرعشي المذكور قبل قليل « 2 » : « إن قلت : ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات ؟ قلت : علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو صفاتها ، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف فهم تتميم ، إذ لا يتعلق الغرض به . وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف ، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم ، كذا حقق في الرعاية » .

--> ( 1 ) جهد المقل ورقة 2 ظ . ( 2 ) المصدر نفسه .