السيد علي الفاني الأصفهاني
181
آراء حول القرآن
وقال العضدي في شرحه : النسخ اما للتلاوة فقط أو للحكم فقط أو لهما معا والثلاثة جائزة ، وخالف فيه بعض المعتزلة ، لنا أن نقطع بالجواز فإن جواز تلاوة الآية حكم من أحكامها وما يدل عليه من الأحكام حكم آخر لها ولا تلازم بينهما وإذا ثبت ذلك فيجوز نسخا ونسخ أحدهما كسائر الأحكام المتباينة ولنا أيضا الوقوع وأنه دليل الجواز ، أما التلاوة فقط فلما روى عمر أنه كان فيما أنزل : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه » وحكمه ثابت وان خصص بالاحصان ، وأما الحكم فكنسخ الاعتداد بالحول واللفظ مقروء ، وأما هما معا فما روت عائشة أنه كان فيما أنزل : « عشر رضعات محرمات » وقد نسخ تلاوته وحكمه ، انتهى المقصود من كلامهما . أقول يظهر من هؤلاء - علماء العامة - الاختلاف الكثير في مقدار النسخ وان كانوا متفقين على الظاهر في جواز نسخ التلاوة مع حكمها أو لا مع حكمها ، وأنت خبير بأن ذلك هو التحريف بالنقيصة الذي قد مرّ منا بطلانه ثم إنه لا يمكن موافقتهم في مقدار المنسوخ من الآيات إذ أنّ التخصيص أو التقييد أو بيان أكمل المصاديق أو العدل التخييري أو ما شابه ذلك لا يكون من النسخ المصطلح قطعا . وفي مقابل هؤلاء المكثرين للنسخ من أنكر وقوعه إطلاقا وهو أبو مسلم ابن بحر الاصفهاني إذ قال بجواز النسخ وعدم وقوعه زاعما أن قوله تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ « 1 » ، يدل على عدم النسخ لأن النسخ إبطال للمنسوخ ، وقد تصدى للجواب عن موارد النسخ ، ولكنه توهّم فاسد لأن معنى الآية أن القرآن بما هو كلام الهي ومنهج عبادي وقانون نظامي وميزان أخلاقي ومعيار إصلاحي ومنبع للعلوم وشامل للسعادات الدنيوية والأخروية وكافل للعدالة الفردية والاجتماعية وجامع للجوامع الخيرية ودافع للرذائل
--> ( 1 ) سورة فصلت ، الآية : 42 .