السيد علي الفاني الأصفهاني

141

آراء حول القرآن

ألف من أشعار الخاقاني والقاءاني وأضرابهما ممن ينظم القصائد الطوال المشتملة على اللغات الصعبة والغريبة ، وكان لنا صديق آخر قال : أنا أحفظ ستين ألف بيتا من الشعر ، وقد ذكر السيد الجزائري عليه الرحمة في الأنوار النعمانية نماذج من قضايا الحفظ العربي ، ثم إن الحافظة الصحراوية القوية التي قلنا أنها كانت بمنزلة كتاب أو ديوان أو خزانة للعلوم ، لم تكن منحصرة بفرد أو فردين ، بل الذهن الوقاد والحافظة القوية كانا من مزايا العرب في مستواه العام ، وقد نزل القرآن في مثل هذا الوسط الأدبي والمجتمع العارف باللسان وأسلوبه والصاعد إلى أعلى مدارج الكلام ، وكان القرآن مع كونه كتابا للقانون والشرع معجزة خالدة للنبي ( ص ) في فصاحته وبلاغته ، مضافا إلى اشتماله على الحكم والمواعظ والعبر والقصص والأحكام والأخلاق ، وحينما سمع العرب هذا الكلام المعجز الّذي تفوق على كل كلام أدبي موزون كانوا يسمعونه من ذي قبل من لدن الشعراء والخطباء اندهشوا ونظروا إليه نظر إعجاب وحيرة ، إذ أنّ القرآن ليس بمنظوم ولا منثور وليس خارجا عنهما أيضا ، ولذا أخذوه برغبة تامة وحفظ شامل وبوعي كامل . ثم إن القرآن تحدى المرتابين في كونه كلام رب العالمين بالاتيان بمثله أو بسورة من مثله ، فلم يقدر أحد على مباراته ومعارضته ، بل قد نقل بأن جمعا من المكابرين والمخالفين حاولوا ذلك ، فرجعوا بخفي حنين حينما وصلوا إلى قوله تعالى : أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ . . « 1 » الآية ، أو إلى قوله تعالى : . . . وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . . « 2 » الآية ، وندموا على هذه المحاولة الفاشلة ، وقد يقال بأنهم عارضوا قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ « 3 » ، بقولهم القتل أنفى للقتل ، وقوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 39 . ( 2 ) سورة هود ، الآية : 44 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 179 .