السيد علي الفاني الأصفهاني

140

آراء حول القرآن

مثله تركنا أخباره ولكن لا لكونها من الآحاد بل لكونها ضعافا ولم يكن المخبر موثوقا به . الثاني : لا مجال لأي تشكيك بأن الجيل الجاهلي من العرب كان ناشئا في قلب الصحراء ولم يكن عنده من العلوم والفنون شيء هام يذكر في التاريخ وانحصرت ثقافتهم في ذلك العصر - في الأدب البدوي الأصيل النابع من صميم العاطفة صريحا صارما خاليا عن التكلف بعيدا عن الخيال - نظما ونثرا - فترى فيهم امرؤ القيس وحسان بن ثابت الّذي كان يحسب من المخضرمين ، نعم يضاف إلى الأدب العربي أمور أخرى عدها أهل التاريخ من الثقافة العربية وهي الكهانة والقيافة والعرافة ، فالعربي الجاهلي كان استعداده القوي وذهنه الوقاد وقريحته الصافية مصروفا في الأدب شعرا وخطابة مما يتعلق بشؤون الأدب لغة ونحوا وبلغ اهتمام الأدباء بالشعر إلى حد علقوا المعلقات السبع على الكعبة وكانت ندواتهم مختصة في الأغلب بذلك وكان سوق عكاظ مؤتمرا عالميا أدبيا يحضره الأدباء من كل مكان وكان من الممكن أن يثير بيتا واحدا من الشعر حربا بين قبيلتين في الحين الّذي كان يمكن أن يصير سببا للصلح بينهما وإن طالت مدة عداوتهما وخصومتهما ولما لم يكن لهم علم بالكتابة في العصر الجاهلي ، كانت صدورهم خزانة علومهم من اللغة والصرف والنحو والشعر والخطابة وكان لكل شاعر ديوان شعر ناطق وهو شخص يحفظ أشعاره ويقال له الرّاوية ، نعم إنما علّمهم الموالي الكتابة بعد الفتوحات الإسلامية ، ونتيجة لانحصار علومهم بما تجود به القريحة وانحصار الضابط لتلك العلوم بالحفظ على ظهر القلب مع تلك الحافظة الصحراوية القوية كثر فيهم الحفاظ حتى أن الناظر في تاريخ الأدب العربي يتحير من الأرقام والكميات الكثيرة التي ينسبونها إلى حفاظ الأشعار من الأشعار التي حفظوها ، وإن كان العجب في غير محلّه بعد ملاحظة أن ذلك كان مسببا عن أمور كثيرة أوجب للعرب حفظ كمية كثيرة من الأشعار ، وقد رأينا نحن في العجم أيضا حفاظا كثيرين فكان لنا صديق نقل لنا حفظة مائة