عبد الله البطليوسي الاندلسي
9
الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة
بالكلّيّات والجزئيّات ، وبقاء النّفس النّاطقة حيّة بعد الموت ؛ وكلّها شؤون ذوات بال في تاريخ علم الكلام والميتافيزياء والفلسفة . بيد أنّ العلماء لا يتورّعون عن تجشّم العقبات في البحث عن حلّ القضايا المعقّدة وجلائها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . وهم في بحوثهم هذه يرغبون في بثّها وشرحها لطلّابهم ومريديهم ، ولكنّهم يلزمون الحذر دفعا للاتّهام ، وتحاميا للأقاويل ، وتجنّبا لاحتمال النّبذ والتّضييق : وعندنا أنّ ابن السّيد البطليوسيّ قد أقبل في كتابه « الحدائق في المطالب العالية الفلسفيّة العويصة » على عرض ما استوعبه من تلك المطالب عرضا واضحا سليما ، مع الحذر الشّديد من اتّهامه بالمروق ؛ فهو يدافع عن حصيلة الفلسفة اليونانيّة التي انسابت إلى آراء المفكّرين المسلمين ، ويبرّئ أرسطو وأفلاطون من القول بأزليّة العالم وقدمه ، ويتلطّف في عرض آرائهما كما وصلت إليه ، ويحاول أن يكشف عمّا يراه من الحقائق ، على أن لا يحيد عن حدود شرع اللّه ما استطاع . ولكنّ هذه الحقائق التي عرضها - مع فائدتها في جلاء القضايا الفلسفيّة - ربّما لا توافق علماء الكلام الأشاعرة والماتريديّة ، الذين يعتمدون فكرة الخلق بدلا من الفيض ، ولا يرغبون في تشبيه الواحد العدديّ بالواحد الأحد الميتافيز يائيّ ، إلى غير ذلك من الأمور الّتي تحتاج إلى الإيضاح في عقيدة أهل السّنّة والجماعة . وعندنا انّ الاختلاف إن وقع فمردّه إلى اختلاف وجهات النّظر ، وإلّا فإنّ التأمّل الميتافيز يائيّ والدّينيّ إنّما يعبّران عن الحقيقة الواحدة . وفي بعض الأحيان يغدو التّعبير اللّفظيّ والرّياضيّ تقريبا للفكرة من الأفهام . هذا وقد دخلت تيّارات الفلسفة اليونانيّة والمشرقيّة إلى الأندلس بدخول الكتب المؤلّفة فيها ، ككتب الفارابيّ وابن سينا ورسائل إخوان الصّفا ، وأمثالها .