عبد الله البطليوسي الاندلسي

10

الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة

وفي أواخر دولة المرابطين نفقت كتب المذهب المالكيّ وفروعه ، وعمل بمقتضاها ، ونبذ ما سواها ، كما يحدّثنا عبد الواحد المرّاكشيّ في كتاب : « المعجب في أخبار المغرب » ، ووصل الأمر في زمن أمير المؤمنين ملك المرابطين أبي الحسن عليّ بن يوسف بن تاشفين التقيّ الصّالح المتبتّل الّذي عاصر البطليوسيّ « إلى تقبيح علم الكلام ، وكراهة السّلف له ، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه ، وأنّه بدعة في الدّين ، وربّما أدّى أكثره إلى اختلال العقائد ، في أشباه لهذه الأقوال ، حتّى استحكم في نفسه ( نفس أمير المؤمنين ) بغض علم الكلام وأهله ؛ فكان يكتب عنه في كلّ وقت إلى البلاد ، بالتّشديد في نبذ الخوض في شيء منه وتوعّد من وجد عنده شيء من كتبه » . حتّى إنّه أمر بإحراق كتب أبي حامد الغزالي لمّا دخلت المغرب « وتقدّم بالوعيد الشّديد : من سفك الدّم ، واستئصال المال ، إلى من وجد عنده شيء منها » . وإذا كانت الأمور على هذه الحال في شأن علم الكلام - وهو من بعض الوجوه يعتبر من العلوم الشّرعية والنّقليّة ( كما يعدّه ابن خلدون إذ كان متفرّعا عن الشّريعة ) - وفي شأن كتب الغزالي الذي هاجم هو الفلسفة في كتابه « تهافت الفلاسفة » ، فما بالنا بالفلسفة نفسها وقضاياها المستفادة من علوم اليونان وآرائهم الّتي قد تبعد عن صفاء الدّين وبساطته ؟ وأيّا كان الأمر ، فإنّ الاعتبارات الّتي وردت في كتاب « الحدائق » - على صغر حجمه - من أهّم القضايا الفكريّة الّتي تهمّ الباحث في الميتافيزياء وفي التّراث الفلسفيّ العربيّ والإنسانيّ . هذا وإن نشر كتاب « الحدائق » مجدّدا ومحقّقا يقتضي الثّناء والتقريظ ؛ لأنّه تيسير لفهم تلك الشؤون الفلسفيّة في التّراث الإسلاميّ المؤثّل ، وإيضاح لعلاقات بعضها ببعض .