أبو حامد الغزالي
98
تهافت الفلاسفة
قيل : ليس فوق سطح العالم فوق ، ولا بعد أبعد منه ، كاع « 1 » الوهم عن الأذعان لقبوله ، كما إذا قيل : ليس قبل وجود العالم « قبل » هو وجود محقق ، نفر الوهم أيضا عن قبوله ، وكما جاز أن يكذّب الوهم في تقديره فوق العالم خلاء ، هو بعد لا نهاية له ، بأن يقال له الخلاء ليس مفهوما في نفسه ، أما البعد فهو تابع للجسم الذي تتباعد أقطاره ، فإذا كان الجسم متناهيا ، كان البعد الذي هو تابع له متناهيا ، فانقطع « 2 » أن الخلاء والملاء غير مفهوم ، فثبت أنه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء ، وإن كان الوهم لا يذعن لقبوله ؛ وكذلك يقال : كما أن البعد المكاني تابع للجسم ، فالبعد الزماني تابع للحركة ، فإنه امتداد الحركة ، كما أن ذلك امتدادا أقطار الجسم ، وكما أن قيام الدليل على تناهى أقطار الجسم ، منع من إثبات بعد مكاني وراءه ، فقيام الدليل على تناهى الحركة من طرفيه ، يمنع من تقدير بعد زماني وراءه ، وإن كان الوهم متشبثا بخياله وتقديره ولا يرعوى عنه ، ولا فرق ببن البعد الزماني الذي تنقسم العبارة عنه - عند الإضافة - إلى « قبل » و « بعد » ، وببن البعد المكاني ، الذي تنقسم العبارة عنه - عند الإضافة - إلى « فوق » و « تحت » ، فإن جاز إثبات « فوق » لا فوق فوقه ، جاز إثبات « قبل » ليس قبله « قبل » محقق ، إلا خيالي وهمى كما في الفوق ، وهذا لازم فليتأمل ، فإنهم اتفقوا على أنه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء . فإن قيل : هذه الموازنة معوجة ، لأن العالم ليس له « فوق » ولا « تحت » لأنه كرى ، وليس للكرة « فوق » ولا « تحت » ، بل إن سميت جهة « فوقا » فمن حيث أنها تلى رأسك ، والأخرى « تحتا » من حيث أنه يلي رجلك ، فهو اسم تجدد له بالإضافة إليك ، والجهة التي هي « تحت » بالإضافة إليك ، هي « فوق » بالإضافة إلى غيرك ، إذا قدرته على الجانب الآخر من كرة الأرض واقفا يحاذى أخمص قدمه أخمص قدمك ، بل الجهة التي تقدرها فوقك من أجزاء السماء نهارا ، هي بعينها تحت الأرض ليلا ، وما هو تحت الأرض يعود إلى فوق الأرض
--> ( 1 ) كاع يكيع ، وكع يكع ، عن الشئ . هابه وجبن عنه . ( 2 ) أي ثبت أنهما غير مفهومين فيما وراء العالم .