أبو حامد الغزالي

99

تهافت الفلاسفة

بالدور ؛ وأما الأول لوجود العالم فلا يتصور أن ينقلب آخرا ، وهو كما لو قدرنا خشبة أحد طرفيها غليظ ، والآخر دقيق ، واصطلحنا على أن نسمى الجهة التي تلى الدقيق « فوقا » إلى حيث ينتهى ، والجانب الآخر تحتا ، لم يظهر بهذا اختلاف ذاتي في أجزاء العالم ، بل هي أسامي مختلفة ، قيامها بهيئة هذه الخشبة ، حتى لو عكس وضعها لا نعكس الاسم ، والعالم لم يتبدل ، فالفوق والتحت نسبة محضة إليك لا تختلف أجزاء العالم وسطوحه فيه ؛ وأما العدم المتقدم على العالم ، والنهاية الأولى لوجوده ، فذاتى له لا يتصور أن يتبذل فيصير آخرا ، ولا العدم المقدر عند فناء العالم ، الذي هو عدم لاحق يتصور أن يصير سابقا ، فطرفا نهاية وجود العالم اللذان أحدهما أول ، والثاني آخر ، طرفان ذاتيان ثابتان ، لا يتصور التبدل فيهما بتبدل الإضافات إليه البتة بخلاف « الفوق » و « التحت » ، فإذن أمكننا أن نقول : ليس للعالم « فوق » ولا « تحت » ، ولا يمكنكم أن تقولوا : ليس لوجود العالم « قبل » ولا « بعد » ، وإذا ثبت « القبل » و « البعد » فلا معنى للزمان سوى ما يعبر عنه « بالقبل » و « البعد » . قلنا : لا فرق ، فإنه لا غرض في تعيين لفظ « الفوق » و « التحت » ، بل نعدل إلى لفظ « الداخل » و « الخارج » ، ونقول : للعالم داخل وخارج ، فهل خارج العالم شئ من ملاء أو خلاء ؟ ، فسيقولون : ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء . وإن عنيتم بالخارج سطحه الأعلى فله خارج ، وإن عنيتم غيره فلا خارج له ، فكذلك إذا قيل لنا : هل لوجود العالم « قبل » ؟ ، قلنا إن عنى به هل لوجود العالم بداية أي طرف منه ابتدأ فله « قبل » على هذا ، كما للعالم خارج على تأويل أنه الطرف المكشوف والمنقطع السطحي ، وإن عنيتم « بقبل » شيئا آخر فلا قبل للعالم ، كما أنه إذا عنى بخارج العالم شئ سوى السطح ، قيل لا خارج للعالم ، فإن قلتم لا يعقل مبدأ وجود لا « قبل » له ، فيقال ولا يعقل متناهي وجود من الجسم لا خارج له ، فإن قلت « خارجه » سطحه الذي هو منقطعة لا غير ، قلنا « قبله » بداية وجوده الذي هو طرفه لا غير . بقي أن نقول : للّه وجود ولا عالم معه ، وهذا القول أيضا لا يوجب إثبات