أبو حامد الغزالي

97

تهافت الفلاسفة

انفراده بالوجود فقط ؛ والعالم كشخص واحد ، ولو قلنا : كان اللّه ولا عيسى مثلا ، ثم كان وعيسى معه ، لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم ذات ، ثم وجود ذاتين ، وليس من ضرورة ذلك تقدير شئ ثالث ، وإن كان الوهم لا يسكت عن تقدير شئ ثالث وهو الزمان ، فلا التفات إلى أغاليط الأوهام . فإن قيل : لقولنا كان اللّه ولا عالم ، مفهوم ثالث سوى وجود الذات وعدم العالم ، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل ، كان وجود ذات وعدم ذات حاصلا ، ولم يصح أن نقول . كان اللّه ولا عالم ، بل الصحيح أن يقول : يكون اللّه ولا عالم ، ونقول للماضى : كان اللّه ولا عالم ، فبين قولنا : « كان » و « يكون » فرق ، إذ ليس ينوب أحدهما مناب الآخر ، فلنبحث عما يرجع إليه الفرق ، ولا شك في أنهما لا يفترقان في وجود الذات ولا في عدم العالم ، بل في معنى ثالث ، فإنا إذا قلنا لعدم العالم في المستقبل : كان اللّه تعالى ولا عالم ، قيل لنا : هذا خطأ ، فإنّ « كان » إنما يقال على ما مضى ، فدلّ أن تحت لفظ « كان » مفهوما ثالثا ، وهو الماضي ، والماضي بذاته هو الزمان ، والماضي بغيره هو الحركة ، فإنها تمضى بمضي الزمان ، فبالضرورة يلزم أن يكون قبل العالم زمان قد انقضى حتى انتهى إلى وجود العالم . قلنا : المفهوم الأصلي من اللفظين وجود ذات وعدم ذات ، والأمر الثالث الذي به افتراق اللفظين ، نسبة لازمة بالقياس إلينا ، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل ، ثم قدرنا له بعد ذلك وجودا ثانيا ، لكنا عند ذلك نقول : كان اللّه ولا عالم ، ويصح قولنا ، سواء أردنا به العدم الأول ، أو العدم الثاني الذي هو بعد الوجود ، وآية أن هذه نسبة ، أن المستقبل بعينه يجوز أن يصير ماضيا فيعبر عنه بلفظ الماضي ، وهذا كله لعجز الوهم عن فهم وجود مبتدأ إلا مع تقدير « قبل » له ، وذلك « القبل » الذي لا ينفك الوهم عنه ، نظن أنه شئ محقق موجود هو الزمان ، وهو كعجز الوهم عن أن يقدر تناهى الأجسام فيما يلي الرأس مثلا إلا على سطح له فوق ، فيتوهم أن وراء العالم مكانا ، إما ملاء وإما خلاء ، وإذا