أبو حامد الغزالي
89
تهافت الفلاسفة
يحقق هذا أن لفظ الإرادة مستعار من إرادتنا ، ولا يتصور منا أن نميز بالإرادة الشئ عن مثله ، بل لو كان بين يدي العطشان قدحان من الماء يتساويان من كل وجه بالإضافة إلى غرضه ، لم يمكن أن يأخذ أحدهما ، بل إنما يأخذ ما يراه أحسن ، أو أخفّ ، أو أقرب إلى جانب يمينه إن كانت عادته تحريك اليمين ، أو سبب من هذه الأسباب إما خفى وإما جلى ، وإلا فلا يتصور تمييز الشئ عن مثله بحال . والاعتراض من وجهين : الأول ، أن قولكم : إن هذا لا يتصور ، عرفتموه ضرورة أو نظرا ؟ ! ، ولا يمكن دعوى واحد منهما ، وتمثيلكم بإرادتنا مقايسة فاسدة ، تضاهى المقايسة في العلم ، وعلم اللّه يفارق علمنا في أمور كثيرة « 1 » ، فلم تبعد المفارقة في الإرادة بل هو كقول القائل : ذات موجودة لا خارج العالم ولا داخله ، ولا متصلا ولا منفصلا ، لا يعقل ، لأنا لا نعقله في حقنا ، قيل : هذا عمل توهمك ، وأما دليل العقل فقد ساق العقلاء إلى التصديق بذلك ، فبم تنكرون على من يقول : دليل العقل ساق إلى إثبات صفة للّه تعالى من شأنها تمييز الشئ عن مثله ؟ ، فإن لم يطابقها اسم الإرادة ، فلتسم باسم آخر ، فلا مشاحة في الأسماء وإنما أطلقناها نحن بإذن الشرع ، وإلا فالإرادة موضوعة في اللغة لتعيين ما فيه غرض ، ولا غرض في حق اللّه ، وإنما المقصود المعنى دون اللفظ ، على أنه في حقنا لا نسلم أن ذلك « 2 » غير متصور ، فإنا نفرض تمرتين متساويتين بين يدي المتشوف إليهما العاجز عن تناولهما جميعا ، فإنه يأخذ إحداهما لا محالة ، بصفة شأنها تخصيص الشئ عن مثله ، وكل ما ذكرتموه من المخصصات من الحسن أو القرب أو تيسر الأخذ ، فإنا نقدّر على فرض انتفائه ويبقى إمكان الأخذ ، فأنتم بين أمرين : إما أن تقولوا : إنه لا يتصور التساوي بالإضافة إلى أغراضه
--> ( 1 ) على الأخص في رأيكم كما مر ص 84 ( 2 ) يشير إلى دعوى ترجيح الإرادة أحد الأمرين المتساويين على الآخر .