أبو حامد الغزالي
90
تهافت الفلاسفة
قط ، وهو جماقه وفرضه ممكن ، وإما أن تقولوا : التساوي إذا فرض ، بقي الرجل المتشوف أبدا متحيرا ، ينظر إليهما فلا يأخذ إحداهما بمجرد الإرادة والاختيار المنفك عن الغرض ، وهو أيضا محال يعلم بطلانه ضرورة ، فإذن لا بد لكل ناظر شاهدا أو غائبا في تحقيق الفعل الاختياري من إثبات صفة شأنها تخصيص الشئ عن مثله . الوجه الثاني في الاعتراض . هو أنا نقول : أنتم في مذهبكم ما استغنيتم عن تخصيص الشئ عن مثله ، فإن العالم وجد عن السبب الموجب له على هيئات مخصوصة تماثل نقائضها ، فلم اختص ببعض الوجوه ؟ ! واستحالة تمييز الشئ عن مثله في الفعل أو في اللزوم بالطبع أو بالضرورة لا تختلف . فإن قلتم : إن النظام الكلى للعالم لا يمكن إلا على الوجه الذي وجد ، وأن العالم لو كان أصغر أو أكبر مما هو الآن عليه لكان لا يتم هذا النظام ، وكذا القول في عدد الأفلاك وعدد الكواكب ، وزعمتم أن الكبير يخالف الصغير ، والكثير يفارق القليل فيما يراد منه ، فليست متماثلة بل هي مختلفة ، إلا أن القوة البشرية تضعف عن درك وجوه الحكمة في مقاديرها وتفاصيلها ، وإنما تدرك الحكمة في بعضها ، كالحكمة في ميل فلك البروج عن معدل النهار ، والحكمة في الأوج والفلك الخارج عن المركز ، والأكثر لا يدرك السر فيها ، ولكن يعرف اختلافها ، ولا بعد في أن يتميز الشئ عن خلافه لتعلق نظام الأمر به ، وأما الأوقات فمتشابهة قطعا بالنسبة إلى الإمكان وإلى النظام ، ولا يمكن أن يدعى أنه لو خلق بعد ما خلق ، أو قبله بلحظة لما تصور النظام ، فإن تماثل الأحوال يعلم بالضرورة . فنقول : نحن وإن كنا نقدر على معارضتكم بمثله في الأحوال إذ قال قائلون : خلقه في الوقت الذي كان الأصلح الخلق فيه ، لكنا لا نقتصر على هذه المقابلة ، بل نفرض على أصلكم تخصيصا في موضعين لا يمكن أن يقدّر فيهما اختلاف ؛ أحدهما اختلاف جهة الحركة ، والآخر تعين موضع القطب في الحركة على المنطقة . أما القطب فبيانه أن السماء كرة متحركة على قطبين كأنهما ثابتان ، وكرة