أبو حامد الغزالي

86

تهافت الفلاسفة

قلنا : العدد ينقسم إلى الشفع والوتر ، ويستحيل أن يخرج عنه ، سواء كان المعدود موجودا باقيا ، أو فانيا ، فإذا فرضنا عددا من الأفراس ، لزمنا أن نعتقد أنه لا يخلو من كونه شفعا أو وترا ، سواء قدرناها موجودة أو معدومة ، فإن انعدمت بعد الوجود لم تتغير هذه القضية ، على أنا نقول لهم : لا يستحيل على أصلكم موجودات حاضرة ، هي آحاد متغايرة بالوصف ، ولا نهاية لها ، وهي نفوس الآدميين المفارقة للأبدان بالموت ، فهي موجودات لا توصف بالشفع والوتر ، فبم تنكرون على من يقول : بطلان هذا يعرف ضرورة ، كما ادعيتم بطلان تعلق الإرادة القديمة بالأحداث ضرورة ، وهذا الرأي في النفوس ، هو الذي اختاره « ابن سينا » ، ولعله مذهب « رسطاليس » . فإن قيل : فالصحيح رأى أفلاطن وهو أن النفس قديمة وهي واحدة وإنما تنقسم في الأبدان ، فإذا فارقتها عادت إلى أصلها واتحدت . قلنا : فهذا أقبح وأشنع ، وأولى بأن يعتقد مخالفا لضرورة العقل ، فإنا نقول : نفس زيد عين نفس عمرو أو غيره ؟ ! فإن كان عينه فهو باطل بالضرورة ، فإن كل واحد يشعر بنفسه ، ويعلم أنه ليس هو نفس غيره ، ولو كان هو عينه لتساويا في العلوم التي هي صفات ذاتية للنفوس داخلة مع النفوس في كل إضافة ، وإن قلتم : إنه غيره ، وإنما انقسم بالتعلق بالأبدان ، قلنا : وانقسام الواحد الذي ليس له عظم في الحجم وكمية مقدارية ، محال بضرورة العقل ، فكيف يصير الواحد اثنين ، بل ألفا ثم يعود ويصير واحدا ، بل هذا يعقل فيما له - عظم وكمية ، كماء البحر ينقسم بالجداول والأنهار ، ثم يعود إلى البحر ، فأما ما لا كمية له فكيف ينقسم ؟ . والمقصود من هذا كله ، أن نبين أنهم لم يعجزوا « 1 » خصومهم عن معتقدهم في تعلق الإرادة القديمة بالأحداث إلا بدعوى الضرورة ، وأنهم لا ينفصلون عمن يدعى الضرورة عليهم ، في هذه الأمور على خلاف معتقدهم ، وهذا لا مخرج عنه . فإن قيل : هذا ينقلب عليكم في أن اللّه قبل خلق العالم كان قادرا على الخلق

--> ( 1 ) ضمنه معنى « يزحزحوا »