أبو حامد الغزالي
87
تهافت الفلاسفة
بقدر سنة أو سنين ، ولا نهاية لقدرته ، فكأنه صبر ولم يخلق ، ثم خلق ، ومدة الترك متناه أو غير متناه ؟ فإن قلتم : متناه ، صار وجود الباري متناهي الأول ، وإن قلتم : غير متناه ، فقد انقضى مدة فيها إمكانات لا نهاية لإعدادها . قلنا : المدة « 1 » والزمان مخلوق عندنا ، وسنبين حقيقة الجواب عن هذا في الانفصال عن دليلهم الثاني . فإن قيل : فبم تنكرون على من يترك دعوى الضرورة ويدل عليه من وجه آخر ؟ ! وهو أن الأوقات متساوية في جواز تعلق الإرادة بها ، فما الذي ميز وقتا معينا عما قبله وعما بعده ، وليس محالا أن يكون التقدم والتأخر مرادا ؟ ! بل « 2 » في البياض والسواد ، والحركة والسكون ، فإنكم تقولون : يحدث البياض بالإرادة القديمة والمحل قابل للسواد قبوله للبياض ، فلم تعلقت الإرادة القديمة بالبياض دون السواد ؟ وما الذي ميز أحد الممكنين عن الآخر في تعلق الإرادة به ؟ ونحن بالضرورة نعلم أن الشئ لا يتميز عن مثله إلا بمخصص ، ولو جاز ذلك « 3 » لجاز أن يحدث العالم - وهو ممكن الوجود ، كما أنه ممكن العدم - ويتخصص جانب الوجود المماثل لجانب العدم في الإمكان ، بغير محصص . وإن قلتم : إن الإرادة خصصت ، فالسؤال عن اختصاص الإرادة ، وأنها لم اختصت « 4 » ؟ . فإن قلتم : القديم لا يقال له لم ؛ فليكن العالم قديما ولا يطلب صانعه وسببه ، لأن القديم لا يقال فيه : لم ؛ فإن « 5 » جاز تخصص
--> ( 1 ) وفي نسخة المادة ( 2 ) أي بل ننقل الكلام من تساوى الأوقات إلى تساوى الأعراض ، وهو في الواقع بحث عن اختصاص الإرادة وتحديد وظيفتها ، والفصل في هذا الاختصاص هو الفصل في هذه المشكلة كما سنرى فيما بعد ( 3 ) يعنى تميز الشئ عن مثله بغير مخصص . ( 4 ) يعنى « قائم » ( 5 ) أي وحيث جوزنا تخصص العالم في الأزل بالوجود الذي هو أحد الأمرين الممكنين اتفاقا ، فغاية ما يقال اعتراضا على ذلك : أن العالم الموجود ذو هيئات خاصة كان يمكن أن يكون على خلافها ، فلا بد لترجيح هذه الهيئات على سواها من مخصص ، فلم يصح قولكم : فليكن العالم قديما ولا يطلب صانعه وسببه ، قلنا : إنه اتصف بهذه الهيئات اتفاقا ، كما قلتم : إن الإرادة خصصته بهذه الهيئات وبهذا الوقت اتفاقا . فهذه العبارة كأنها شرح لقوله : فليكن العالم قديما ولا يطلب صانعه ، يعنى فبيان ذلك أن نقول : ترجح وجود العالم في الأزل على عدمه اتفاقا كما تقولون : رجحت الإرادة وقتا على وقت وصفة على صفة اتفاقا .