أبو حامد الغزالي

85

تهافت الفلاسفة

الاستحالة بالضرورة ، إذ تقدير صانع للعالم لا يعلم صنعته محال بالضرورة . والقديم إذا لم يعلم إلا نفسه - تعالى عن قولكم وعن قول جميع الزائغين علوا كبيرا - لم يكن يعلم صنعته البتة . بل لا نتجاوز إلزامات هذه المسألة « 1 » فنقول : بم تنكرون على خصومكم إذا قالوا : قدم العالم محال ، لأنه يؤدى إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ، ولا حصر لآحادها ، مع أن لها سدسا وربعا ونصفا ، فإن فلك الشمس يدور في سنة ، وفلك زحل في ثلاثين سنة ، فتكون أدوار زحل ثلث عشر أدوار الشمس ، وأدوار المشترى نصف سدس أدوار الشمس ، فإنه يدور في اثنتي عشرة سنة ؛ ثم كما أنه لا نهاية لأعداد دورات زحل ، لا نهاية لأعداد دورات الشمس ، مع أنه ثلث عشره ، بل لا نهاية لأدوار فلك الكواكب الذي يدور في ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة ، كما لا نهاية للحركة المشرقية التي للشمس في اليوم والليلة مرة . فلو قال قائل : هذا مما يعلم استحالته ضرورة ، فبماذا تنفصلون عن قوله ؟ بل لو قال قائل : أعداد هذه الدورات شفع أو وتر ؟ ! ، أو شفع ووتر جميعا ؟ ! ، أو لا شفع ولا وتر ؟ فإن قلتم شفع ووتر جميعا ، أو لا شفع ولا وتر ، فيعلم بطلانه ضرورة ، وإن قلتم : شفع ، فالشفع يصير وترا بواحد ، فكيف أعوز ما لا نهاية له واحد ؟ ، وإن قلتم : وتر ، فالوتر يصير بواحد شفعا ، فكيف أعوزه ذلك الواحد الذي به يصير شفعا فيلزمكم القول : بأنه ليس بشفع ولا وتر : فإن قيل : إنما يوصف بالشفع والوتر المتناهى ، وما لا نهاية له فلا . قلنا : فجملة مركبة من آحاد ، لها سدس وعشر كما سبق ، ثم لا توصف بشفع ولا وتر ، يعلم بطلانه ضرورة من غير نظر ، فبماذا تنفصلون عن هذا ؟ ؛ فإن قيل : محل الغلط في قولكم : أنه جملة مركبة من آحاد ، فإن هذه الدورات معدومة ، أما الماضي فقد انقرض ، وأما المستقبل فلم يوجد ، والجملة إشارة إلى موجودات حاضرة ولا موجود هاهنا .

--> ( 1 ) يشير إلى « مسألة قدم العالم » .