أبو حامد الغزالي
70
تهافت الفلاسفة
مقدمة رابعة [ الفلاسفة يرون أنه لا يمكن فهم المسائل الإلهية إلا بعد دراسة الرياضيات والمنطقيات . . . ] من عظائم حيل هؤلاء في الاستدراج - إذا أورد عليهم إشكال في معرض الحجاج - قولهم : إن هذه العلوم الإلهية غامضة خفية ، وهي أعصى العلوم على الأفهام الذكية ، ولا يتوصل إلى معرفة الجواب عن هذه الإشكالات إلا بتقديم الرياضيات والمنطقيات ؛ فمن يقلدهم في كفرهم ، إن خطر له إشكال على مذهبهم ، يحسن الظن بهم ويقول : لا شك في أن علومهم مشتملة على حله ، وإنما يعسر علىّ دركه ، لأنى لم أحكم المنطقيات ، ولم أحصل الرياضيات . فنقول : أما الرياضيات التي هي نظر في الكم المنفصل - وهو الحساب - فلا تعلق للإلهيات به ، وقول القائل : أن فهم الإلهيات يحتاج إليها ؛ خرق ، كقول القائل : أن الطب والنحو واللغة يحتاج إليها « 1 » ، أو الحساب يحتاج إلى الطب ؛ وأما الهندسيات التي هي نظر في الكم المتصل يرجع حاصله إلى بيان أن السماوات وما تحتها إلى المركز ، كرى الشكل ، وبيان عدد طبقاتها ، وبيان عدد الأكر المتحركة في الأفلاك ، وبيان مقدار حركاتها ؛ فلنسلم لهم جميع ذلك جدلا أو اعتقادا ، - فلا يحتاجون إلى إقامة البراهين عليه - ولا يقدح ذلك « 2 » في شئ من النظر الإلهى ، وهو « 3 » كقول القائل : العلم بأن هذا البيت حصل بصنع بناء علم مريد قادر « 4 » حي ، يفتقر إلى أن يعرف أن البيت مسدس أو مثمن ، وأن يعرف عدد جذوعه ، وعدد لبناته ، وهو هذيان لا يخفى فساده ، وكقول القائل : لا يعرف كون هذه البصلة حادثة ، ما لم يعرف عدد طبقاتها ،
--> ( 1 ) يعنى الرياضيات . ( 2 ) أي الجهل بذلك . ( 3 ) أي قولهم بضرورة ذلك في النظر الإلهى . ( 4 ) في ذكر وصفى العالم والقادر ما يجعل المثال غير متمش مع غرض الغزالي بسهولة ، فتأمل .