أبو حامد الغزالي
71
تهافت الفلاسفة
ولا يعرف كون هذه الرمانة حادثة ، ما لم يعرف عدد حباتها وهو هجر من الكلام مستغث عند كل عاقل « 1 » . نعم قولهم : أن المنطقيات لا بد من أحكامها هو صحيح ، ولكن المنطق ليس مخصوصا بهم ، وإنما هو الأصل الذي نسميه في فن « الكلام » « كتاب النظر » فغيروا عبارته إلى المنطق تهويلا ، وقد نسميه « كتاب الجدل » وقد نسميه « مدارك العقول » فإذا سمع المتكايس المستضعف ، اسم المنطق ، ظن أنه فن غريب لا يعرفه المتكلمون ، ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة ، ونحن لدفع هذا الخبال واستئصال هذه الحيلة في الإضلال ، نرى أن نفرد القول في « مدارك العقول » في هذا الكتاب ، ونهجر فيه ألفاظ المتكلمين والأصوليين ، بل نوردها بعبارات المنطقيين ، ونصبها في قوالبهم ، ونقتفى آثارهم لفظا لفظا ، ونناظرهم في هذا الكتاب بلغتهم - أعنى بعباراتهم في المنطق - ونوضح أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق ، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس ، وما وضعوه من الأوضاع في « ايساغوجى » و « قاطيغورياس » التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته ، لم يتمكنوا من الوفاء بشئ منه في علومهم الإلهية . ولكنا نرى أن نورد « مدارك العقول » في آخر الكتاب ، فإنه كالآلة لدرك مقصود الكتاب ، ولكن رب ناظر يستغنى عنه في الفهم ، فنؤخره حتى يعرض عنه من لا يحتاج إليه ، ومن لا يفهم ألفاظنا في آحاد المسائل في الرد عليهم ، فينبغي أن يبتدئ أولا بحفظ كتاب « معيار العلم « 2 » » الذي هو الملقب بالمنطق عندهم .
--> ( 1 ) قد عرفت فيما سبق هامش ص 60 قول الفلاسفة في الرياضات . وأن ضرورة تقديم دراستها على الإلهيات له ما يبرره في نظرهم وليس مجرد استدراج ، ثم إنه سيأتيك في نفس هذه المقدمة اعتراف الغزالي بأن المنطق واجب التقديم عليها ، ولو رحت تسأل الغزالي ، هل في الإمكان البدء بتعلم المنطق ؟ ؛ أم يجب قبله مزاولة بعض العلوم التي فيها مران عقلي كالرياضات مثلا ، لأجابك بالمعقول المشاهد وهو أن المنطق من العلوم الصعبة التي لا يمكن للمتعلم الذي لم يمارس شيئا من العلوم أصلا أن يبدأ به ، وإذن لابد قبله من ممارسة علوم تشبهه وتمت إليه بسبب ، وأشبه شئ به هو الرياضة . ( 2 ) هذا الكتاب موجود ، طبعه على حدة ، فرج اللّه زكى الكردي .