أبو حامد الغزالي

65

تهافت الفلاسفة

مقدمة ثانية ليعلم أن الخلاف بينهم وبين غيرهم من الفرق ثلاثة أقسام : قسم : يرجع النزاع فيه إلى لفظ مجرد ، كتسميتهم صانع العالم - تعالى « 1 » عن قولهم - جوهرا ، مع تفسيرهم الجوهر بأنه الموجود لا في موضوع « 2 » أي القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى مقوم يقومه ، ولم يريدوا بالجوهر المتحيز ، على ما أراده خصومهم . ولسنا نخوض في إبطال هذا « 3 » ، لأن معنى القيام بالنفس إذا صار متفقا

--> ( 1 ) ما داعى هذا التنزيه مع أنه يجعل الخلاف في هذه المسألة لفظيا ؟ . ( 2 ) الموجود عند الفلاسفة إما حال ، وأما محل ، وأما مركب منهما ، وأما لا حال ولا محل ولا مركب منهما ؛ والحال إما أن يغير حقيقة ما يحل فيه أولا ، الثاني كالسواد فإنه إذا حل بالخشب لم تخرج به حقيقة الخشب عن كونها خشبا ، والأول كالإنسانية التي تحل في النطفة فإنها إذا حلت بها غيرت حقيقتها ودخلت في كيانها أي قومتها فالسواد يسمى عرضا ومحله يسمى موضوعا ، والإنسانية تسمى صورة ومحلها يسمى هيولى ، والمركب من الهيولى والصورة يسمى جسما ، والذي ليس حالا ولا محلا ولا مركبا منهما هو المجرد عن المادة وهو إما أن يتصل بالأجسام اتصال تدبير وإشراف أولا ، الأول يسمى نفسا ، والثاني يسمى عقلا . فالعقل والنفس والجسم والهيولى والصورة ، كل ذلك يسمى عندهم جوهرا ، وأما الحال الذي لا يغير ما حل فيه فهو وحده الذي يسمى عرضا ومحله يسمى موضوعا ، ومن هنا عرفوا الجوهر بأنه « الموجود لا في موضوع » وهذا التعريف يشمل الأنواع الخمسة السابقة . فقول الغزالي « مع تعريفهم الجوهر بأنه الموجود لا في موضوع » كلام صحيح وقوله في تفسيره « أي القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى مقوم يقومه » كلام غير صحيح إذ الصورة غير قائمة بنفسها والهيولى تحتاج إلى مقوم يقومها ، فتخرج كل هذه عن تعريف الجوهر ، فلعله يريد أن يقصر الجوهر على بعض أفراده حتى يصح انطباقه على الإله عند من يسميه جوهرا ، ولكنه مع ذلك لم يخرج النفس ، والنفس عندهم لا تقال على الإله بل يقال عليه عندهم « عقل » فقط . ( 3 ) أي في هذا الكتاب المخصص للبحث في العقيدة . وإلا فالخوض معهم في هذا الموضوع في كتاب من كتب الفقه أو اللغة لا بأس به متى كان موضوع البحث يتصل بواحد منهما ، والغزالي كفقيه لا بأس بأن يخوض معهم فيه في كتبه الفقهية .