أبو حامد الغزالي

66

تهافت الفلاسفة

عليه ، رجع الكلام في التعبير باسم الجوهر عن هذا المعنى ، إلى البحث عن اللغة ، وإن سوّغت اللغة إطلاقه ، رجع جواز إطلاقه في الشرع ، إلى المباحث الفقهية ، فإنّ تحريم إطلاق الأسامى وإباحتها يؤخذ مما يدل عليه ظواهر الشرع . ولعلك تقول : هذا إنما ذكره المتكلمون في الصفات ، ولم يورده الفقهاء في فن الفقه ؛ فلا ينبغي أن تلتبس عليك حقائق الأمور بالعادات والمراسم ، فقد عرفت أنه بحث عن جواز التلفظ بلفظ صدق معناه على المسمى به ، فهو كالبحث عن جواز فعل من الأفعال . القسم الثاني : ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين ، وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل - صلوات اللّه عليهم - منازعتهم فيه ، كقولهم : أن الكسوف القمرى عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس ، من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس ، والأرض كرة ، والسماء محيط بها من الجوانب ، فإذا وقع القمر في ظل الأرض ، انقطع عنه نور الشمس ؛ وكقولهم : أن كسوف الشمس معناه وقوع جرم القمر بين الناظر وبين الشمس ، وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة . وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله ، إذ لا يتعلق به غرض ، ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين ، فقد جنى على الدين وضعف أمره ، فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابية ، لا يبقى معها ريبة ، فمن يطلع عليها ، ويتحقق أدلتها ، حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين ، وقدرهما ، ومدة بقائهما إلى الانجلاء ، إذا قيل له : إن هذا على خلاف الشرع ، لم يسترب فيه ، وإنما يستريب في الشرع ، وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه ، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه ؛ وهو كما قيل : عدو عاقل خير من صديق جاهل . فإن قيل : فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الشمس والقمر لآيتان من آيات اللّه ، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر اللّه والصلاة » ، فكيف يلائم هذا ما قالوه ؟ ، قلنا : وليس في هذا ما يناقض ما قالوه ، إذ ليس فيه إلا نفى وقوع الكسوف لموت أحد أو لحياته ،