أبو حامد الغزالي

49

تهافت الفلاسفة

« المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب : إحداها : ما يتعصب له في المباهات والمناظرات . والأخرى : ما يسارّ به في التعليمات والإرشادات . والثالثة : ما يعتقده المرء في نفسه مما انكشف له من النظريات . ولكل كامل ثلاث مذاهب بهذا الاعتبار . فأما المذهب بالمعنى الأول ، فهو نمط الآباء والأجداد ، ومذهب المعلم ، ومذهب أهل البلد الذي فيه النشوء ، وذلك يختلف بالبلاد والأقطار ، ويختلف بالمعلمين . فمن ولد في بلد المعتزلة ، أو الأشعرية ، أو الشفعوية ، أو الحنفية ، انغرس في نفسه منذ صباه ، التعصب له ، والذب عنه ، والذم لما سواه . فيقال هو أشعري المذهب ، أو معتزلي ، أو شفعوى ، أو حنفي ؛ ومعناه أنه يتعصب له ، أي ينصر عصابة المتظاهرين بالموالاة ، ويجرى ذلك مجرى تناصر القبيلة بعضهم لبعض . المذهب الثاني : ما ينطق به في الإرشاد والتعليم ، لمن جاء مستفيدا مسترشدا ، وهذا لا يتعين على وجه واحد ، بل يختلف بحسب المسترشد ؛ فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه ، فإن وقع له مسترشد تركى ، أو هندى ، أو رجل بليد جلف الطبع ، وعلم أنه لو ذكر له أن اللّه تعالى ليس ذاته في مكان ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلا بالعالم ، ولا منفصلا عنه ؛ لم يلبث أن ينكر وجود اللّه تعالى ، ويكذب به ؛ فينبغي أن يقرر عنده أن اللّه تعالى على العرش ، وأنه يرضيه عبادة خلقه ، ويفرح بهم ، ويثيبهم عوضا وجزاء . وإن احتمل أن يذكر له ما هو الحق المبين ، يكشف له . فالمذهب بهذا الاعتبار يتغير ويختلف ويكون مع كل واحد على حسب ما يحتمله فهمه . المذهب الثالث : ما يعتقده الرجل سرا بينه وبين اللّه عز وجل ، لا يطلع عليه غير اللّه تعالى ، ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع