أبو حامد الغزالي

50

تهافت الفلاسفة

عليه ، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه ، وذلك بأن يكون مسترشدا ذكيا » إلى آخر ما ذكره من الشروط في النص السابق . ومن هذا يظهر أن الغزالي يقول عن اللّه مثلا للبليد ما لا يقوله للذكى ، ومعنى ذلك أنه يصور الحقيقة صورا مختلفة ، على حسب تفاوت الاستعدادات والمدارك . فلا يمكن إذن حتى في هذه الفترة - فترة الاطمئنان والكشف - استمداد كل مؤلفاته في تصوير رأيه وتحديد مذهبه . * * * وبعد هذا فيمكننا أن نقسم حياة الغزالي إلى ثلاث فترات : 1 - الفترة التي سبقت شكه . 2 - فترة الشك بقسميه . 3 - فترة الاهتداء والطمأنينة . أما الفترة التي سبقت شكه فيمكن التغاضي عنها ، لأنه في هذه الفترة كان متعلما لم يبلغ درجة النضوج الفكري ، الذي يهيئ له أن يكون ذا رأى مستقل ، خصوصا وقد حدثنا الغزالي أن الشك قد أتاه مبكرا على قرب عهد بسن الصبا . وأما الفترة الثانية : فتستبعد منها أيضا فترة الشك العنيف ؛ لأنه لم ينتج فيها ، فتبقى لنا فترة الشك الخفيف ، وقد كانت طويلة المدى ؛ لأنها ابتدأت منذ سن الصبا ، إلى أن تصوف واهتدى ، وقد لا حظنا أن الغزالي خلالها ألّف في علم الكلام ، وألف في نقد الفلسفة ، وفي نقد مذهب الباطنية ، وكان يقوم بالتدريس في مدرستى « نيسابور » و « بغداد » . ومما يثير الدهشة أن شاكا في الحقيقة يصدر تآليف إيجابية حول الحقيقة ، ويدرس تدريسا إيجابيا . وأعنى بالتأليف والتدريس الإيجابيين التقرير والشرح دون النقد والتزييف . نعم ليس من الغريب أن يصدر عن الشاك تأليف وتدريس سلبيان - وأعنى بالتأليف والتدريس السلبيين ، النقد والتزييف - لأن الشاك باحث لم تسلم لديه أدلة الدعاوى ، إذ قامت لديه حولها شبه ، فهو إذا سطر لنا تلك الشبه في كتب أو ألقاها في دروس ، كان مستجيبا لداعى شكه ، وكان منطقيا مع نفسه ،