أبو حامد الغزالي
46
تهافت الفلاسفة
على الفرائض والرواتب ، وتجلس فارغ القلب ، مجموع الهم ، مقبلا بذكرك على اللّه ، وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر اللّه تعالى فلا تزال تقول : اللّه ، مع حضور القلب وإدراكه ، إلى أن تنتهى إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك لكثرة اعتياده ، ثم تصير مواظبا عليه ، إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى الفظ ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيئات الكلمة ، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام ، ولك اختيار إلى هذا الحد فقط ، ولا اختيار بعده لك ، إلا في الاستدامة لدفع الوساوس الصارفة ، ثم ينقطع اختيارك فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ظهر مثله للأولياء ، وهو بعض ما يظهر للأنبياء . . . ومنازل أولياء اللّه فيه لا تحصى . . . فهذا منهج الصوفية ؛ وقد رد الأمر فيه إلى تطهير محض من جانبك وتصفية وجلاء ، ثم استعداد وانتظار فقط » . وإيضاح ذلك أن القلب إذا طهر من أدران المعاصي ، وصقل بالطاعات ، أشرقت صفحته ، فانعكس عليها من اللوح المحفوظ ما شاء اللّه أن يكون ، وهذا هو العلم المعروف بالعلم اللدني أخذا من قوله تعالى « آتَيْناهُ . . . مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » وفسروا الرزق في قوله تعالى « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » بالعلم من غير تعلم . طبّق الغزالي هذا المنهج على نفسه حتى طهرت وصقل قلبه ، كما يحدثنا هو « وانكشف لي أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها . والقدر الذي أذكره لينتفع به ، أنى علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . . . وأنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح