أبو حامد الغزالي

47

تهافت الفلاسفة

الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد » إلى أن يقول : « وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر » * * * إذن عرف الغزالي ما كانت تتوق إليه نفسه من المعارف ، وأدركها إدراكا يأمن معه الخطأ . وبذلك يكون الغزالي قد تخلص من الشك الذي يدور حول معرفة الفرقة الناجية بعد أن تخلص من الشك الذي يدور حول موازين الحقيقة . ومنذ هذا الوقت فقط يمكن استمداد مؤلفاته لتكون مصدرا يصور لنا آراءه وأفكاره ونظرياته . أما ما قبل ذلك التاريخ فلا . على أنه لا ينبغي الوثوق بكل مؤلفاته في هذه الفترة لتكون مستمدا لأفكاره ؛ لأن للغزالي بصدد تصوير الحقيقة وإعلانها رأيا جديرا بالاعتبار ، ذلك أنه يرى أن الناس متفاوتون في الاستعدادات والمدارك . والدين في نظر الغزالي سمح سهل ، لا يمكن أن ينظر إلى الناس جميعا ، مع اختلاف مداركهم واستعداداتهم ، نظرة واحدة ، فيكلف كليل الذهن فوق طاقته من المباحث النظرية ، أو يحظر على الطلعة المتوثب ، إشباع رغباته ، بالبحث والنظر ولذلك يقول « 1 » : « الناس ثلاثة أصناف : 1 - عوام ، وهم أهل السلامة البله . 2 - خواص ، وهم أهل الذكاء والبصيرة . 3 - ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل . أما الخواص فإني أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط ، وكيفية الوزن بها ، فيرتفع الخلاف بينهم على قرب ، وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال : إحداها - القريحة النافذة ، والفطنة القوية ، وهذه عطية فطرية ، وغريزة جبليّة ، لا يمكن كسبها . الثانية - خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث مسموع ، فإن المقلد لا يصغى ، والبليد وإن أصغى فلا يفهم .

--> ( 1 ) القسطاس المستقيم ص 86 مطبعة التقدم .